العدد 2812
الأحد 26 يونيو 2016
أمير طاهري أمير طاهري
إيران تعيد التفكير في الأوهام السورية (2)
الأحد 26 يونيو 2016

في عام 1980، عندما احتجز دبلوماسيون أميركيون كأسرى داخل السفارة الأميركية بطهران، زار خامنئي مجمع السفارة، وحاول التفاوض لشراء أسلحة أميركية بمجرد انتهاء الأزمة. وكانت الفكرة برمتها أن يبعث إشارة إلى الأميركيين توحي أنه الرجل الذي يمكن لهم التعامل معه.
في تسعينات القرن الماضي، عندما قتلت جماعة طالبان، التي كانت لها السيطرة على أفغانستان آنذاك، ستة دبلوماسيين إيرانيين وعشرات الشيعة الأفغان العاملين لدى إيران، اقترح القادة العسكريون في طهران “تلقين طالبان درسًا”، تبعًا لما ذكره الجنرال محسن رضائي.
ومن بين الأفكار المطروحة قصف مقار إقامة قادة طالبان، بما في ذلك الملا عمر، وقتل أكبر عدد ممكن منهم، إلا أن خامنئي رفض الخطة. وبدلاً من ذلك، فتح حوارًا مع طالبان مرّ ببعض النجاحات والإخفاقات، ولا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا. وعندما تفاوض وزير الخارجية الفرنسي، إرف دي شاريت، عام 1996، مع نظيره الإيراني علي أكبر ولايتي للتوصل إلى اتفاق يعاون طهران على الالتفاف على بعض العقوبات مقابل الإبقاء على حزب الله تحت السيطرة، أقر خامنئي الاتفاق. وبالفعل، صدرت أوامر لجماعة حزب الله اللبنانية بالامتناع عن أي عمل ضد إسرائيل لسنوات عدة.
ومن بين الأمثلة الأحدث على موقف خامنئي فيما يخص ما يطلق عليه الاتفاق النووي، الذي أقر تحت رعاية إدارة أوباما، فلابد أن المرشد الأعلى كان مدركًا أن الأمر برمته خدعة، ومع هذا عارضه في العلن، مع السماح في الوقت ذاته للعاملين تحت إمرته بالمعاونة في طبخ الوصفة السحرية خلف الكواليس.
وعلى مدار الشهور الأخيرة، كان يؤكد أمام كل من يتّصل به أن العقوبات لم يكن لها تأثير على إيران، وأن الاتفاق النووي لم يلزم إيران شيئا. ومع هذا، فإنه أيضًا يؤكد أنه حال “انتهاك” الرئيس الأميركي القادم الاتفاق غير الموجود، فإن إيران ستحرق الاتفاق. ومع موافقته على مذلة إنفاق طهران أموالها بعد الحصول على إذن من البيت الأبيض، أبدى خامنئي درجة من المرونة لم يجرؤ سياسي إيراني على مجرد تخيلها في التاريخ المعاصر.
الآن، دعونا نعود إلى سوريا، التساؤل الآن، هل سيستمر خامنئي في الحديث القوي مع تواريه خلف الكواليس؟ في الواقع، الإجابة عن هذا التساؤل ليست سهلة، خصوصا أنه ليس من اليسير إخفاء حدوث تغير في السياسة تجاه سوريا، فأنت إما أن توافق على إلقاء الأسد للذئب، أو تستمر في المراهنة عليه مع العلم بأنه حصان خاسر.
علاوة على هذا، فإن تنظيم داعش ليس الفاعل الرئيسي داخل سوريا، وإنما تشارك قوى أخرى بعمق، أبرزها روسيا والولايات المتحدة وتركيا، ناهيك عن الدول العربية. كما أن قاعدة تأييد الأسد غير حريصة على تلقي أوامر من طهران، مثلما الحال مع حسن نصر الله وأتباعه بلبنان.
وربما يكون الأهم من ذلك أنه على الصعيد الداخلي، تضيق يومًا بعد آخر دائرة الخيارات المتاحة أمام خامنئي فيما يخص سوريا، ذلك أن الرأي العام الإيراني لا يبدي تعاطفًا تجاه الأسد، وتواجه طهران صعوبة في إقناع مزيد من المتطوعين بالتوجه لسوريا.
ومن المحتمل أن يكون عدد من المتحمسين قد خدعوا خامنئي بخصوص الوضع في سوريا، وربما يكون منهم قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، البارع على نحو خاص في الترويج لنفسه، وذلك عبر وعوده المتكررة بتحقيق نصر وشيك في سوريا. وبعد خمس سنوات لا نعاين سوى كارثة محققة، مع تفاقم خسائر طهران واضطرارها لترك جثث ضباطها مبعثرة بشوارع خان طومان، ورغم عدم الإعلان عن ذلك رسميًا، فإن قرار خامنئي بإبعاد سليماني عن الملف السوري يعد خطوة جيدة. وبدلاً منه، طلب خامنئي من الجنرال رضائي، قائد الحرس الثوري الإسلامي المتقاعد طرح أفكار جديدة بخصوص الكارثة القائمة في سوريا، ورغم أن رضائي ليس بالعبقرية العسكرية الفذة، لكنه يبقى شخصًا ناضجًا مقارنة بسليماني صاحب النزعات الطفولية. الشرق الأوسط.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية