+A
A-

أبعاد: التنافس الأميركي–الصيني على الذكاء الاصطناعي: أين تكمن مصالح دول الخليج العربي؟

د. حسن العاليلم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الذكاء الاصطناعي سباقا تقنيا بين شركات لإنتاج تطبيق أكثر ذكاء، بل تحولت إلى صراع على قيادة الاقتصاد العالمي والتحكم في بنيته التحتية الجديدة. فمن يملك الرقائق المتقدمة، والقدرة الحاسوبية، ومراكز البيانات، والنماذج الأساسية، والطاقة اللازمة لتشغيلها، سيمتلك جزءا متزايدا من القوة الاقتصادية والسياسية خلال العقود المقبلة.
تكفي نظرة إلى حجم الأموال المتدفقة نحو هذا القطاع لفهم أبعاد التحول. تتوقع مؤسسة «غارتنر» أن يبلغ الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي نحو 2.6 تريليون دولار في عام 2026، بزيادة تقارب 47 % على 2025، قبل أن يرتفع إلى نحو 3.5 تريليونات دولار في 2027. ويستحوذ قطاع البنية التحتية وحده، بما يشمله من رقائق وخوادم وشبكات ومراكز بيانات، على أكثر من 1.43 تريليون دولار من إنفاق 2026، أي أكثر من نصف المجموع تقريبا.
هذه ليست فقاعة صغيرة في قطاع التكنولوجيا، بل موجة استثمارية تعادل أحجام اقتصادات وطنية كاملة. فقد تجاوز الإنفاق الرأسمالي لخمس من أكبر شركات التكنولوجيا 400 مليار دولار خلال 2025، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاعه بنحو 75% في 2026، مدفوعا بسباق بناء مراكز البيانات وشراء المعالجات وتأمين الكهرباء.
 

أميركا تتفوق بالمال والرقائق... والصين تضيق الفجوة
لا تزال الولايات المتحدة مركز الثقل العالمي للذكاء الاصطناعي. فقد بلغ الاستثمار الأميركي الخاص فيه 285.9 مليار دولار في 2025، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين؛ أي أن الإنفاق الخاص الأميركي كان أكبر بأكثر من 23 مرة. كما شهدت الولايات المتحدة تأسيس وتمويل 1953 شركة جديدة للذكاء الاصطناعي في عام واحد، وهو رقم يفوق بأكثر من عشرة أضعاف أقرب منافسيها. 
لكن المقارنة لا تعني أن الصين تنفق القليل. فالأرقام الخاصة لا تشمل بالكامل الأموال التي تضخها الدولة وصناديق التوجيه الحكومية، والتي يقدر أن بعضها وجّه نحو 184 مليار دولار إلى شركات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات السابقة. كما تتقدم الصين في عدد الأبحاث العلمية وبراءات الاختراع والتركيب الصناعي للروبوتات، بينما أنتجت الولايات المتحدة في 2025 نحو 59 نموذجاً بارزاً مقابل 35 نموذجا صينيا. 
والأهم أن الفجوة النوعية بين نماذج البلدين تكاد تختفي. فبحلول مارس 2026 لم يتجاوز تفوق أفضل نموذج أميركي على أفضل نموذج صيني 2.7 % في بعض التصنيفات، بعد أن تبادلت نماذج الطرفين المراكز الأولى عدة مرات منذ مطلع 2025. وهكذا تنتقل المنافسة تدريجيا من مجرد امتلاك «النموذج الأذكى» إلى الكلفة والسرعة والاعتمادية والقدرة على تكييف النماذج مع القطاعات واللغات المختلفة. 

ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بأهم أوراق القوة في سباق الذكاء الاصطناعي، وهي الرقائق الإلكترونية المتقدمة. فما تزال الشركات الأميركية تتصدر إنتاج معالجات الذكاء الاصطناعي التي توفر معظم القدرة الحاسوبية المستخدمة في تدريب وتشغيل النماذج المتقدمة، بينما تواجه الصين قيودا على استيراد الرقائق المتطورة ومعدات تصنيعها. ووفقا لتحليل نشرته The Economist، لا تزال أحدث الرقائق الصينية أقل أداء من نظيراتها الأميركية، كما أن الطاقة الإنتاجية المحلية لا تكفي لتلبية الطلب المتزايد داخل السوق الصينية.
لذلك تستخدم واشنطن قيود تصدير الرقائق أداة لإبطاء الصين، بينما ترد بكين بتسريع التصنيع المحلي وتطوير نماذج مفتوحة أقل كلفة يمكن تشغيلها خارج المنصات الأميركية.
 

 من يدفع فاتورة «عقل العالم»؟
لا تعمل نماذج الذكاء الاصطناعي في الفراغ. إنها تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة وكميات هائلة من الكهرباء والمياه والتبريد. وهنا تصبح الطاقة، التي شكلت تاريخياً أساس القوة الاقتصادية الخليجية، عنصرا محوريا مرة أخرى.
تقدر وكالة الطاقة الدولية أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء سيرتفع من نحو 485 تيراواط/‏ساعة في 2025 إلى قرابة 950 تيراواط/‏ساعة في 2030، أي ما يقارب 3 % من استهلاك الكهرباء العالمي. أما مراكز البيانات الموجهة أساساً للذكاء الاصطناعي، فيتوقع أن يتضاعف استهلاكها نحو ثلاث مرات خلال خمس سنوات. 
وللمقارنة، سيصبح استهلاك مراكز البيانات في نهاية العقد أكبر قليلاً من إجمالي استهلاك اليابان الحالي للكهرباء. وفي الولايات المتحدة وحدها، قد تمثل هذه المراكز قرابة نصف الزيادة في الطلب على الكهرباء حتى 2030، بل قد تستهلك كهرباء تفوق ما تستخدمه الصناعات الأميركية كثيفة الطاقة مجتمعة، بما فيها الحديد والألمنيوم والأسمنت والكيماويات.
هذا التحول يفسر لماذا أصبحت العديد من الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات، بدرجات متفاوتة، وجهات جذابة للاستثمار في مراكز البيانات. فهي تمتلك موارد مالية كبيرة، وطاقة يمكن توفيرها بأسعار تنافسية، ومساحات مناسبة، وبنية اتصالات حديثة، وقدرة على تنفيذ المشروعات بوتيرة أسرع من كثير من الاقتصادات الأوروبية التي تعاني ازدحام الشبكات وارتفاع تكاليف الكهرباء وتأخر الموافقات.
لكن وجود الطاقة ورأس المال لا يضمن تلقائيا تحقيق مكاسب استراتيجية. فقد تستخدم الشركات العالمية الخليج العربي موقعاً لتشغيل خوادمها، بينما تظل النماذج والرقائق والملكية الفكرية والكوادر القيادية والعوائد الكبرى في الخارج. وعندئذ تعيد المنطقة إنتاج نموذج اقتصادي قديم: تصدير المورد الأساسي واستيراد المنتج الأعلى قيمة.


أين تكمن المصالح الخليجية؟
تكمن المصلحة الأولى في استثمار المنافسة الأميركية–الصينية، لا الانحياز الكامل إلى أحد الطرفين. فالولايات المتحدة تقدم أحدث الرقائق والمنصات السحابية والنماذج المتقدمة، بينما تقدم الصين بدائل أقل كلفة ونماذج مفتوحة وخبرة واسعة في التطبيقات الصناعية والمدن الذكية. ومن مصلحة الخليج العربي تنويع الموردين، مع مراعاة متطلبات الأمن السيبراني وحماية البيانات والالتزامات الدولية لكل دولة.
أما المصلحة الثانية، فتتمثل في تحويل الطاقة إلى قدرة حاسوبية، ثم تحويل هذه القدرة إلى صناعة وخدمات. فبيع الكهرباء إلى مركز بيانات أجنبي يحقق دخلاً، لكن امتلاك حصة في المركز وتطوير تطبيقات محلية فوق بنيته وتدريب المواطنين داخله يولد قيمة مضاعفة.
وتكمن المصلحة الثالثة في حماية السيادة الرقمية. فاعتماد المصارف والمطارات والموانئ والمستشفيات والوزارات بالكامل على نماذج أجنبية يجعل استمرار خدماتها خاضعا لقرار شركات وحكومات خارجية. ولا تعني السيادة الرقمية أن تصنع كل دولة خليجية رقائقها ونماذجها من الصفر، وإنما أن تحفظ بياناتها الحساسة محليا، وتملك القدرة على تشغيل الخدمات الأساسية داخل حدودها، وتنويع المنصات والنماذج التي تعتمد عليها.
أما المصلحة الرابعة، فهي إنشاء سوق خليجية مشتركة للذكاء الاصطناعي. فالعمل المنفرد يؤدي إلى تكرار مراكز البيانات والمبادرات وتجزئة الإنفاق، بينما يستطيع مجلس التعاون، بسوق يزيد عدد سكانها على 60 مليون نسمة واقتصاد يتجاوز تريليوني دولار، أن يوفر الحجم اللازم لبناء منصات عربية وتطبيقات متخصصة وقواعد بيانات مشتركة.
 

 كيف ينبغي لدول الخليج العربي أن تتصرف؟
يتعين أولا إخضاع الإنفاق لمعايير الجدوى، لا لمنطق السباق على إعلان أكبر مشروع. فالإنفاق العالمي الهائل لا يعني أن كل مشروع سيحقق عائداً. وحتى الآن تفضل شركات كثيرة تطبيقات تدريجية لتحسين الإنتاجية؛ لأن إثبات العائد التجاري للاستثمارات الكبرى لا يزال تحديا.
ثانيا، ينبغي توجيه الاستثمارات نحو المجالات التي يمتلك فيها الخليج العربي ميزة حقيقية: النفط والغاز، والطاقة المتجددة، وتحلية المياه، والخدمات الحكومية، والموانئ والطيران، والصحة، والمصارف، والتمويل الإسلامي، والأمن السيبراني واللغة العربية. فالهدف ليس منافسة OpenAI أو Google في نموذج عالمي عام، بل بناء تطبيقات تتفوق في حل مشكلات المنطقة.
ثالثاً، يجب ربط كل اتفاقية كبرى مع الشركات الأجنبية بشروط واضحة لنقل المعرفة، وتدريب الكفاءات الوطنية، ودعم الشركات الناشئة، وتوطين جزء من البحث والتطوير. ولا يكفي الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات إذا بقيت الوظائف النوعية والخبرات التقنية خارج المنطقة.
رابعا، تحتاج دول المجلس إلى سياسة مشتركة للطاقة والمياه ومراكز البيانات. فهذه المنشآت قد تصبح محركاً للتنويع الاقتصادي، لكنها قد تضغط أيضاً على شبكات الكهرباء والمياه. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن اختناقات الشبكات قد تؤخر نحو 20 % من مشروعات مراكز البيانات المخطط لها عالميا.
وأخيرا، يجب الاستثمار بكثافة في الإنسان. فقد ارتفع استخدام الذكاء الاصطناعي إلى 88 % من المؤسسات التي شملتها الاستطلاعات في 2025، بينما وصل استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإمارات إلى نحو 64 %، وهي من أعلى النسب عالمياً. لكن الاستخدام الواسع لا يساوي القدرة على الإنتاج؛ والفارق تصنعه الجامعات والباحثون والمهندسون ورواد الأعمال.

إن التنافس الأميركي–الصيني يفتح أمام الخليج العربي فرصة تاريخية لتحويل الطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي إلى قوة رقمية. غير أن النجاح لن يقاس بعدد المليارات المعلنة أو الخوادم المستوردة، بل بحجم المعرفة التي تستقر في المنطقة، وعدد الشركات المحلية التي تنمو، وقدرة الاقتصادات الخليجية على تشغيل قطاعاتها الحيوية باستقلال وأمان.
السؤال إذن ليس: هل تختار دول الخليج العربي أميركا أم الصين؟ بل: كيف تتعاون معهما من موقع الشريك، وتستفيد من تنافسهما، وتمنع في الوقت نفسه تحولها إلى مجرد سوق أو محطة كهرباء لعقل عالمي يصنعه الآخرون؟