د. فاطمة عبدالسميع تدعو إلى نبذ الوصمة والتنمر تجاه أصحاب اضطراب الهوية الجنسية
“منتجع سيرين” يقدّم برنامجا سريريا متكاملا للتعامل مع اضطراب الهوية الجنسية

في مجتمع محافظ ومتدين، وتحكمه الأعراف والتقاليد والقيم الدينية، يعيش بعض الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الهوية الجنسية واقعًا معقدًا تحت تأثير الوصمة المجتمعية وسوء الفهم، إذ يحدث خلط بين مفهومي اضطراب الهوية الجنسية والمثلية الجنسية، ويتم التعامل مع الحالتين باعتبارهما مفهومًا واحدًا، رغم اختلافهما من الناحية الطبية والنفسية. وفي حين أن اضطراب الهوية الجنسية يُعد حالة تستدعي التقييم النفسي المتخصص، فإن فهم طبيعتها والتعامل معها بعيدًا عن الأحكام المسبقة يمثل خطوة مهمة لتقديم الدعم المناسب. ولوضع خارطة طريق سليمة للتعامل مع حالات اضطراب الهوية الجنسية، التقت “البلاد” الدكتورة فاطمة عبد السميع، استشارية نفسية وأسرية في منتجع سيرين للطب النفسي وكان هذا اللقاء.
من “الاضطراب” إلى “الانزعاج”..
التحول في المفهوم الطبي
أوضحت د. فاطمة عبد السميع أن أحدث أدبيات الطب النفسي الإكلينيكي، وفقا للدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5)، شهدت تحولًا مفاهيميًا جوهريًا؛ إذ تم الاستغناء عن مصطلح “اضطراب الهوية الجنسية” ليحل محله مصطلح “الانزعاج الجنسي” (Gender Dysphoria).
ويُعرَّف الانزعاج الجنسي بأنه حالة من الضيق والمعاناة النفسية الشديدة (Distress) التي يشعر بها الفرد نتيجة وجود عدم توافق بين هويته الجنسية الداخلية، أي شعوره وإدراكه الذاتي لكونه ذكرًا أو أنثى، وبين الجنس البيولوجي المُحدَّد عند الولادة.
الاضطراب من المنظور الإسلامي
وأكدت أنه من المنظور الإسلامي، يُفهم هذا الصراع الإنساني بوصفه ابتلاءً نفسياً في إدراك الذات؛ فالإسلام ينظر إلى الإنسان كـ “تكامل تام بين الفطرة الجسدية والنفسية”. ومن ثمّ، فإن التعامل مع هذا الابتلاء يتطلب احتواء علاجيا رحيما يسعى لرتق الفجوة وترميم النفس، لا للتهميش والإقصاء، ولا للمجاراة والانسياق المطلق.
تفكيك الصراع
وقالت إن تفكيك هذا الصراع يستوجب الفصل الدقيق بين ثلاثة مفاهيم حيوية غالبا ما يقع بينها الخلط؛ أولها الوعي بالجنس البيولوجي، وهو الحقيقة التشريحية والخريطة الجينية الصريحة للفرد (الكروموسومات والهرمونات) عند الولادة، ويمثل الفطرة الخَلقية الثابتة التي أرادها الخالق سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾. وثانيها الهوية الجنسية، وهي التمثّل الذهني والإدراك النفسي الباطني للذات، أي كيف يرى المرء نفسه من الداخل، وقد يعتريها التشتت أو التغبيش نتيجة أزمات النمو أو صدمات الحياة. وثالثها التوجه الجنسي، وهو بوصلة الانجذاب العاطفي نحو الآخرين، ويُعد مفهومًا مستقلًا في التقييم النفسي عن تشكّل الهوية الذاتية، ويُهذّبه الشرع ليتحقق به العمران في إطار السكن والمودة الشرعية.
رسالة للمجتمع حول الوصمة ودور الطب النفسي
ونوّهت إلى أن التعامل مع المشكلات النفسية أو اضطرابات الهوية يجب أن ينطلق من الرحمة والفهم والمسؤولية العلمية، وذلك من خلال نبذ الوصمة والتنمر؛ فالتنمر والسخرية قد يدفعان من يعانون هذه الصعوبات نحو العزلة وتفاقم المعاناة النفسية، بينما يسهم الاحتواء والاستيعاب العلاجي في حماية أمن المجتمع وتعزيز الصحة النفسية لأفراده.
وأكدت أهمية احترام التخصص الطبي، وترك عملية التقييم والعلاج للمختصين، بعيدا عن الفتاوى العشوائية والأحكام الانفعالية، بما يضمن التعامل مع الحالات وفق أسس علمية وأخلاقية، ويسهم في دعم الفرد وتقويم السلوك بما يحفظ كرامته ويراعي القيم المجتمعية.
كيفية التقييم والتشخيص من قبل الطبيب النفسي
وأوضحت أن التشخيص يعتمد على جلسات تقييم سريرية شاملة وفق معايير الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5)، ويتضمن ذلك تقييم استمرار المشاعر، من خلال التحقق من وجود عدم تطابق واضح ومستمر لمدة ستة أشهر على الأقل بين الجنس المكتسب عند الولادة والهوية الشعورية للفرد.
كما يشمل التقييم وجود ضائقة نفسية، بحيث يسبب هذا الاختلاف معاناة متكررة أو ضغوطا تؤثر في جوانب الحياة المختلفة، مثل الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية.
ويعتمد الطبيب كذلك على التقييم الشامل للحالة من خلال إجراء مقابلة سريرية دقيقة؛ بهدف استبعاد وجود اضطرابات نفسية أخرى قد تؤثر في إدراك الفرد لذاته أو تسبب صراعا داخليا، مثل الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، أو الذهان، أو بعض اضطرابات الشخصية، أو الصدمات النفسية غير المعالجة.
دور الطبيب النفسي
وأوضحت أن دور المعالج النفسي دور تركيبي وداعم، فهو ليس مجرد مراقب، بل يُعد مرمّما للنفس ومستشارا أمينا، ويتمثل دوره في توفير بيئة آمنة تساعد الفرد على استكشاف مشاعره وفهم صراعه الداخلي دون حكم أو توجيه مسبق، إلى جانب تقييم وعلاج الاضطرابات المصاحبة مثل الاكتئاب والقلق ومشاعر العزلة التي غالباً ما ترافق هذا الصراع.
كما يعمل المعالج النفسي على تعزيز آليات التكيف (Coping Strategies)، من خلال مساعدة الفرد على التعامل مع الضغوط الاجتماعية والأسرية، وتحسين جودة حياته وصحته النفسية العامة، وتوفير مساحة آمنة للإنصات دون إدانة أو وصمة. ويعتمد في ذلك على أساليب علاجية، مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، للمساعدة في تفكيك التشوهات المعرفية، ومعالجة الصدمات السابقة التي قد تؤثر في نظرة الفرد إلى نفسه وجسده.
كما يسعى إلى دعم الفرد في تقبل ذاته الجسدية، وتعزيز المرونة النفسية، واستعادة السكينة والإيمان بقيمة الجسد باعتباره أمانة إلهية.
القواعد الذهبية الخمس للوالدين
وبيّنت أن المطلوب من الأسرة هو الاحتواء الواعي والإنصات البصير الذي يستوعب معاناة الابن أو الابنة دون إقرار للوهم، مع اللجوء إلى التقييم والعلاج المتخصص عبر عرض الحالة على أخصائي يجمع بين الرصانة العلمية والأصالة القيمية، بما يساعدها على تجاوز أزمتها بأمان. كما شددت على أهمية الاستماع دون هجوم أو هلع، وعدم التسرع في اتخاذ أي قرارات مصيرية، والحفاظ على روابط الأسرة ودورها الداعم.
وأضافت أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول، وأن الحكمة الإيمانية والتربوية تقتضي تجنب ردود الفعل العنيفة أو الضرب أو الطرد؛ لأن القسوة تولّد الهروب الانفعالي وتدفع الابن نحو العزلة. وأوصت الوالدين بألا يقابلا مشاعر أبنائهما بالصدمة أو الصراخ، بل بالاستماع الواعي والهادئ، مع التمييز بين المشاعر الظاهرة والأسباب الكامنة خلفها، إذ قد تكون هذه المشاعر في كثير من الأحيان عرضا لاضطرابات نفسية أخرى مثل الاكتئاب أو الصدمة، وليست تعبيرا عن رغبة حقيقية في التحول. كما نبهت إلى ضرورة عدم ممارسة العلاج أو التشخيص بشكل شخصي، وترك التقييم السريري لأهل الاختصاص النفسي الموثوقين، مع الانتباه إلى مخاطر التضليل الرقمي عبر مراقبة انخراط الأبناء في العالم الافتراضي وحمايتهم من المجموعات الموجَّهة. واختتمت بالتأكيد على أهمية الثقة بالفطرة، ورحمة الله، مشيرة إلى أن غالبية هذه الحالات تزول تلقائياً مع اكتمال البلوغ والنمو الهرموني الذي يمر به الفرد.
برنامج سريري متكامل
وقالت: “نحن في مستشفى سيرين للطب النفسي نعتمد على البرنامج السريري المتكامل، والذي يبدأ بالتقييم التشخيصي العميق، مروراً بالبرامج العلاجية التكيفية للتعامل مع الضغوط، وصولاً إلى الإرشاد الأسري التكافلي. ويتضمن البرنامج العلاجي التكاملي: العلاج النفسي باختلاف المدارس العلاجية النفسية، والإرشاد الديني، والعلاج الوظيفي، وبرنامجا رياضيا متكاملا، وغيرها من برامج التدخل النفسي. وتستمر المتابعة مع المريض والأهل إلى أن يتم الاستقرار ونصل إلى الشفاء، مع وجود جلسات نفسية وقائية مستمرة مع الحالة والأهل”.
واختتمت حديثها بالتأكيد على الالتزام بالميثاق الطبي العالمي والأحكام الشرعية التي تجعل أسرار المريض أمانةً غليظة؛ إذ إن جميع السجلات في المنشآت النفسية تخضع لسرية مطلقة (Medical Confidentiality). ولا يُفصح عن أرقام أو إحصائيات المراجعين حفاظاً على كرامة الإنسان وخصوصية أسرته، ولا تُتداول البيانات إلا في النطاق البحثي الرسمي المُعمّى، حمايةً للمجتمع ورعايةً لأفراده.
