العدد 4318
الإثنين 10 أغسطس 2020
عمود أكاديمي د. باقر النجار
الخليج وانتخابات الرئاسة الأميركية
الإثنين 10 أغسطس 2020

لم يأت الاهتمام الخليجي بانتخابات البيت الأبيض إلا متأخرا رغم العلاقات الاستراتيجية التي ربطت دول المنطقة بالولايات المتحدة الأميركية.... إذ إن بعض دول المنطقة لم تعتقد أنها، لسبب أو لآخر، مدعوة للتأثير في الانتخابات الأميركية، من حيث تفضيلها لأحد المرشحين على الآخر. من هنا جاء دعم بعض دول المنطقة للحملات الانتخابية للمترشحين متساويا إلى حد ما. وهذا الموقف كان مبنيا على اعتقاد أن أيا من الاثنين سيكون قريبا منها في أي الأحوال.

وهو اعتقاد مستمد من الموقف الاستراتيجي الذي قامت عليها السياسات الأميركية من المنطقة منذ الانسحاب البريطاني منها في مطلع سبعينيات القرن الماضي حتى الآن. ومع ذلك فإنه من المهم القول إن مواقف الحزبين من المنطقة ولربما شخص الرئيس قد يطرأ عليه بعض التغير النسبي، إذا ما استثنينا من ذلك موقف الرئيس الأميركي السابق أوباما، الذي وصف بأنه ذو نزعة أيديولوجية، من دول المنطقة، إلا أنه تغيرا لن يكون أولا مُضرا بالمصالح الأميركية البعيدة المدى وثانيا مهددا لأمن واستقرار دول المنطقة. رغم ما قد يقال من أن الاهتمام الأميركي بالمنطقة بدأت يتحول نحو شرق بالتحديد نحو الدول الصناعية الجديدة في بحر الصين والمحيط الاطلنطي..


من الناحية الأخرى فإن الموقف الخليجي من الانتخابات الأميركية ينقسم في الغالب إلى مجموعتين رئيسيتين ولربما ثالثة قد لا تبدي أي اهتمام معلنا فيما يجري من تحضير ونقاش للانتخابات الأميركية، إذ قد تعتبره أمرا داخليا. في حين أنه بات يمثل أمرا يهم كل الدول. وهو أمر تحاول دول العالم ذات المصلحة أو العلاقة بالولايات المتحدة الأميركية أن تؤثر فيه بالطريقة التي لا يجلب لها أو لمصالحها ضررا كبيرا. حتى الدولة التي أصبحت علاقاتها متشابكة في بعض الجوانب بالولايات المتحدة الأميركية كالصين وروسيا تحاول أن تؤثر في مخرجات الانتخابات الأميركية بالطريقة التي لا تجلب له نتائجها ضررا كبيرا.

ألم تُتهم روسيا في انتخابات عام 2016 بالتأثير في قرار الناخب الأميركي. وهو الأمر الذي دفع المدعي العام الأميركي بإجراء تحقيق في هذه الدعاوي بدت نتائج ما سمي بتقرير روبرت مولر لعام 2019 متسقة مع ذلك.


وتعتقد المجموعة الأولى، وهي الدول التي استطاعت عبر سياسييها أو قنواتها الفاعلة في واشنطن أن تنسج علاقات شخصية ومؤثرة في سياسات أميركا نحو المنطقة. ويعتقد بعض هذه الدول أن وجود ترامب في البيت الأبيض هي استمرارية للموقف الأميركي الضاغط بأقصى السبل على النظام الإيراني. الذي يمثل تهديدا لدول المنطقة واستقرارها. كما أن أذرعها الإقليمية تمثل تهديدا لأمن المنطقة العربية بشكل عام.


 وأن وصول الديمقراطيين للبيت الأبيض يمثل عودة جديدة للاتفاق النووي الإيراني الذي ترى أنه لم يمثل اتفاقا شاملا ومقيدا للمطامح والمطامع الإيرانية. بل أن تخوفهم هذا قد يعود في بعضه من تجربة العلاقة مع الرئيس السابق أوباما، وخصوصا تلك الأراء التي طرحها بشكل واضح في مقابلتة المعنونة “بمبدأ أوباما” في مجلة دي أتلانتك في مارس من عام 2016. والتي دعي فيها إلى تقاسم النفوذ في منطقة الخليج مع الإيرانيين.

إلا أنه بالمقابل فإن المرشح الديمقراطي جو بايدن لا يمثل في حقيقة الأمر امتدادا للرئيس السابق بقدر ما يمثل نموذجا للرؤساء الأميركيين التقليدين ذوي النزعة البرجماتية.


أما المجموعة الثانية، وإن لم تفصح بذلك، فقد يشاركها قطاع كبير من الدول الآسيوية والاوربية والتي ترى في خروج ترامب من البيت الأبيض عودة لقدر من الاستقرار في السياسية الأميركية نحو حلفائها الأساسيين، كما أنه يمثل وقفا لقدر من الاستنزاف المالي الذي مارسته الإدارة الحالية على هذه الدول. وهو استنزاف فاخر به دونالد ترامب في بعض مؤتمراته الجماهيرية ولقاءاته الصحفية، وهو تفاخر يمثل في بعضه خروجا عن الأعراف الدبلوماسية التي تنظم العلاقة بين الدول المتحالفة.


وتأخذ المجموعة الثالثة موقفا حياديا من الانتخابات الأميركية. إذ لا تجد هذه المجموعة نفسها معنية كثيرا بشخصية من سيصل للبيت الأبيض. إذ إن تجربتها وسياساتها “المتوازنة” في الداخل والخارج قد مكنتها من تجنب الكثير من فعل الضغوط الأميركية. بل إن الأخير قد استفاد من علاقاتها المتوازنة في حلحلة الكثير من إشكاليات الملفات العالقة في المنطقة.


من الناحية الأخرى فإن دول الخليج في جلها، رغم ما تعنيه لها السياسة الأميركية، لم تكن تعتمد في التأثير على الموقف الأميركي من قضايا الداخل والإقليم على عمل منظم كما تعمل الدول الأخرى المؤثرة في السياسة الأميركية. إذ اعتمدت دول المنطقة في الغالب على مكاتب للعلاقات العامة وعلى وجود شبكة من العلاقات الشخصية الخاصة التي استطاع بعض ساسة المنطقة وممثلي هذه الدول من الدبلوماسيين، نسجها مع بعض الساسة والكتاب المؤثرين في السياسة الأميركية أو قادة الرأي والأحزاب السياسية الرئيسية. ويعتبر أشهر الدبلوماسيين الخليجيين الذين استطاعوا أن يقيموا علاقات مؤثرة في الوسط السياسي الأميركي هم السفير السعودي الأسبق في واشنطن الأمير بند بن سلطان والسفير ووزير الإعلام الكويتي الأسبق المرحوم الشيخ سعود الناصر الصباح وسفير الكويت الأسبق في الأمم المتحدة الأستاذ عبدالله بشارة والسفير الإماراتي الحالي في واشنطن يوسف العتيبه الذي بات يعتبر من أنشط الدبلوماسيين العرب المؤثرين في الوسط السياسي في واشنطن.


  ولم تنتبه دول الخليج إلى أهمية القيام بعمل سياسي منظم تقوده هذه الدول أو أحداها للتأثير على متخذ القرار الأميركي إلا مؤخرا عندما أنشأ معهد دراسات الخليج في واشنطن عام 2013 وهو معهد يعتبر أحد المراكز الخليجية القليلة التي تحاول أن تصيغ رأيا مساندا من قضايا دول الخليج. إذ أستطاع المعهد أن ينسج شبكة من العلاقات مع بعض الساسة وقادة الرأي الأميركيين. إلا أنه، مع ذلك، تبقى المملكة العربية السعودية ونتيجة لأهميتها السياسية والاقتصادية والدينية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، حاضرة تاريخيا في السياسة الأميركية، منذ الاجتماع التاريخي على متن السفينة “كوينسي”، الذي جمع بين الملك عبد العزيز بن سعود والرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت في 14 فبراير 1945. وهي علاقة قد امتدت لأكثر من سبعة عقود ونيف العقد استطاعت خلالها تجاوز الكثير من العقبات التي واجهتها.. وهي علاقة اتسمت على الدوام بكونها “علاقة خاصة”.. وهي علاقة وظفت في كثير من الحالات لبعض القضايا العربية والإقليمية والتي برزت بشكل واضح في الموقف من الغزو العراقي للكويت وفي الموقف من القضية الفلسطينية. كما أنها علاقة لم تتأثر كثيرا بساكن البيت الأبيض، باستثناء ما قد يقال عن موقف الرئيس السابق أوباما من الدول العربية والخليجية.


ولا أعتقد أن مجيء جو بايدن خلفا للرئيس الحالي دونالد ترامب سيغير كثيرا من موقف الولايات المتحدة الأميركية من دول الخليج.. أي أن يحدث ذلك الموقف المناقض لموقف الأدارة الحالية من دول المنطقة. بل أعتقد إن مجيئه قد يساعد على تجاوز بعض الصعوبات التي يواجهها العمل الإقليمي المشترك كمنظومة إقليمية. ولربما التغير الذي يمكن أن يطرأ في مواقفها الخارجي قد يكون إعادة قدر من التوازن في علاقة الولايات المتحدة الاميركية بالصين التي باتت تمر بأصعب فتراتها منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن. وقد تسعى بعض مراكز الثقل في الحزب الديمقراطي والتي ينسب لها فعل إنجاز الاتفاق النووي الإيراني، أن تعمل للعودة للاتفاق النووي الإيراني ألا أنها لن تكون عودة دون ضوابط جديدة، وهي، كما يبدو، ضوابط قد تشمل دور إيران المتصاعد في المشرق العربي وفي ضبط تنامي قدراتها البالستية والتي يشعر بتهديداتها جيرانها في الإقليم. وأعتقد إن ضبط السلوك الإيراني لا يتم كما يسود الاعتقاد من خارج الاتفاق، وإنما من داخله وأن حزمة العقوبات المتشددة التي فرضتها الولايات المتحدة عليها، رغم حجم الألم الواقع، قد مثل بالنسبة لها تحديا، تحدٍّ يختبرون فيها قدرتهم على التحمل كما هو في ابتداع وسائل وطرق تعينهم على تجاوز أو التخفيف من وقعه عليهم.. وما الاتفاق الصيني الإيراني الأخير إلا أحد المنافد التي خرجوا بها من جزء من الحصار.


وكما يبدو أن الحاجز النفسي الذي اصطنع فيما بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران سيمنع من إمكانية التوصل إلى أي اتفاق جديد فيما يخص النووي الإيراني في الفترة القريبة القادمة.

إذ ستبقى العلاقة فيما بينهما قائمة على المناكفة والتهديد والتهديد المضاد.. وهي سياسة إذا ما استمر ترامب في الحكم لسنوات أربع جديدة قد تهدد من استقرار المنطقة بشكل عام. في ظل سيطرة اليمين الجمهوري المتطرف على بعض مفاصل الدولة العميقة. كما أن خروج ترامب عن العمل المؤسساتي ونزوعه نحو اتخاذ قرارات أقرب إلى الفردية بات يحدث قدرا من الإرباك في السياسة الاميركية الخارجية. فاندفاعته نحو عقد اتفاق مع كوريا الشمالية رغم نصائح بعض مستشارية وبعض الدول الحليفة في الغرب واليابان لم يفضي إلى أي شيء..


وبشكل عام فإن ما نود التأكيد عليه أن برامج الأحزاب السياسية ستبقى برامج تتغير مع الواقع العملي.. رغم رغبات البعض في تفعيلها أو تفعيل بعض بنودها.

فالكثير من برامج الحزبين الرئيسيين فيما يتعلق بالخارج ذات الحساسية السياسية، لم تكن في السابق تتجاوز كثيرا حالتها أو لحظتها الانتخابية. إلا في حالة الرئيس الأميركي الحالي الذي انتقل في تفعيل مجموعة من برنامجه الانتخابي وتحديدا فيما يخص انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب للقدس وإعادة فرض الحصار على كوبا... وغيرها. وهي قرارات في بعضها قد عقدت من علاقة أميركا بحلفائها الاوربيين الأساسيين كما الدول الأخرى. وهي قد أثارت ردود فعل مشككة في الالتزام الأميركي في الاتفاقيات التي تعقدها مع الأطراف الخارجية. فالإرباك الذي جاء على فعل الإدارة الأميركية خلال السنوات الأربع الماضية قد يحتاج لبعض الوقت لتجاوز مصاحباته إذا ما جاء رئيسا جديدا للبيت الأبيض.


وفي المحصلة النهائية فإن من يقرر للرئيس ترامب بالاستمرار في البيت الأبيض أو أن يأتي منافسه جو بايدن هي صناديق الاقتراع والتي تحدد طبيعة أوراقها أولويات وحاجات الناخب الأميركي أكثر منها رغبات أو نزعات الخارج كأفراد أو دول أو أقاليم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية