العدد 4290
الإثنين 13 يوليو 2020
عمود أكاديمي د. باقر النجار
هل سيفوز دونالد ترامب بدورة رئاسية ثانية؟
الإثنين 13 يوليو 2020

يرغب الكثير في المنطقة العربية ولربما في العالم الغربي أن ينهي دونالد ترامب دورة حكمه الأولى دون تجديد للثانية.

فعلاقته مع الغرب قد مرت بشد لم يرتخ حتى الآن كما أن علاقته بالصين هي الأخر قد مرت بشد واتهامات قد أسعرتها جائحة الكورونا. التي باتت بفعل اكتساحها غير العادي في المجتمع الأميركي تدك من حظوظه في دورة ثانية. كما في علاقته مع العرب فإنه يكفي أن نقول إنه قد منح الإسرائيليين ما لم يمنحه أي رئيس أميركي جاء للسلطة. ولن نتحدث عن علاقته بإيران وتركيا التي مكنت سياساته من زيادة نفوذهما في المنطقة العربية بشكل لم يسبق أن مُكنتا فيه. فكل هذا العالم قد يرغب إلا أن ما يحدد بقاءه أو خروجه من السلطة هو الشعب الأميركي من خلال صناديق الاقتراع. وهو صندوق تحدد خياراته النهائية معطيات كثيرة قد باتت نقاشاتها مستعرة داخل وخارج المجتمع الأميركي. فكيف إذن تبدو هذه الحظوظ؟

كنت في صيف العام 2015 أستاذا زائرا في مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة هارفرد بمدينة كامبريج الاميركية، وقد جاءت رحلتي هذه ضمن الترتيب لإعداد وكتابة كتابي الذي أسميته “بالحداثة الممتنعة في الخليج العربي”، والصادر عن دار الساقي في العام 2018.. وقد أتاحت لي زيارتي هذه ليس فحسب الاستفادة من الإمكانات البحثية الهائلة التي تتيحها الجامعة للطلبة والأساتذة والباحثين وأن أحضر حواراتها المتعددة، وإنما قد أتاحت لي بالتعرف على شخصيات أكاديمية هي ذات مكانة فكرية ولربما سياسية مؤثرة في السياق السياسي والفكري الأميركي. ومن ضمن هذه الشخصيات وليس حصرا “فرانسيس فوكو ياما” الموظف السابق في الإدارة الأميركية وصاحب كتاب “نهاية التاريخ” وكتاب “الهوية” و “أصل النظام السياسي” و “استيقن ليفيتسكي” صاحب كتاب “التسلطية التنافسية” و “كيف تموت الديمقراطيات” وآخرون من العاملين في مدرسة الدراسات الحكومية بجامعة هارفرد، وهي كلية تضم نخبة من صانعي الأفكار السياسية على مستوى الولايات المتحدة الأميركية والعالم.

وقد كان ذلك الصيف مليئا بالاستعدادات لانتخاب رئيسا جديدا للولايات المتحدة الأميركية خلفا لباراك أوباما.

وقد كان قد دخل ترامب للتو في سباق الانتخابات رافقته فيها حملة تهكمية لم تأخذ دخوله بجدية كبيرة، فلم يكن ترامب من الكوادر السياسية المتمرسة في الحزب الجمهوري كما أنه لم يدخل العمل السياسي بشكله المنظم كالرؤساء السابقين وإنما جاء من خلفية تجارية ومقدم لبرامج تلفزيونية رافقت حياته قدرا من الإثارة. ترشح ترامب لأول مرة في العام 2000 عما سمي “بحزب الإصلاح المستقل”، إلا انه ونتيجة لانخفاض شعبيته قرر الانسحاب من الانتخابات. ثم بعد ذلك في العام 2012 انضم للحزب الجمهوري وترشح في نفس العام لانتخابات الرئاسية، إلا أنه لم يلبث أن قرر الانسحاب من الدخول في الحملة الانتخابية. وفي العام 2015 قرر أن يخوض الانتخابات لعام 2016 مدعوما هذه المرة من الحزب الجمهوري إذ استطاع أن يحقق انتصارا ملفتا على خصمه المرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون بفارق قد وصل إلى 306 في المجمع الانتخابي ليمثل الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية. إلا أن سنوات رئاسته التي قاربت الأربع سنوات قد رافقها الكثير من الإرباك في إدارة الدولة والصراع في علاقته بمؤسسات الدولة ورجالاتها الذين وجدوا فيه شخصا استعراضيا نرجسيا لا يلتزم بهيراركية مؤسسات الدولة وتخصصيتها في اتخاذ القرارات.

وأتذكر أنه في أحد الحوارات الداخلية في كلية الدراسات الحكومية كان المتحدث فيها هو الفيلسوف الأميركي فرانسيس فوكو ياما، إذ قال معلقا على أحد الاستفسارات حول حظوظ دخول ترامب للبيت الأبيض بالقول “من الآن فصاعدا لا بد أن تأخذوا دخوله الانتخابات بجدية كبيرة، وقد يكون الرئيس الخامس والأربعين للجمهورية في يناير 2016”. إلا أن بعد ثلاث سنوات ونيف من دخول ترامب للبيت الأبيض فإن الكثير من معتدلي الحزب الجمهوري قد تغيرت مواقفهم من ترامب وأدائه. إذ كتب فرانسيس فوكو ياما مقالا مطولا نشر في مجلة الاتلانتك الأميركية. إذ أشار إلى أن الكثير من الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها ترامب أثناء إدارته لم يأت عليها أيا من رؤساء الجمهورية السابقين، إذ علق قائلا “كان من سوء حظ (أميركا) أن يكون القائد الأكثر عجزا وإثارة للخلاف في تاريخها الحديث على رأس السلطة عندما ضربت أزمة كوفيد 19 (كورونا) الولايات المتحدة الأميركية ولم يتغير أسلوب إدارته تحت الضغط. فبعد أن أمضى ولايته الأولى في الحرب مع الدولة التي يترأسها، لم يتمكن من توظيفها بشكل فعال عندما أقتضى الأمر ذلك، وأستغل الأزمة لشن المعارك وزيادة الانقسامات الاجتماعية، ويعتبر ضعف الأداء الأميركي في محاربة الجائحة إن هو إلا نتيجة فشله كزعيم وطني في القيادة. (مجلة اتلانتك الأميركية مارس 2020).

لقد عمل الرئيس ترامب على إخلاء مؤسسات الدولة ووكالاتها من معظم الخبرات الفنية ووضع بدلا منها بأشخاص يمتلكون خاصية واحدة وهي الولاء لشخصه دون الكفاءة. إضافة لذلك فإن الرئيس الأميركي خلال مرحلة إدارته لأكثر من ثلاث سنوات قد عجز عن الوصول لغير القطاع الذي صوت له وهو قطاع، ولسبب أدائه خلال المرحلة السابقة بدأ يتآكل. أي أنه لم ينجح في أن يكون رئيسا لكل الأميركيين بتلاوينهم العرقية والاثنية المختلفة. (مجلة أتلانتك الأميركية مارس 2020).

ترامب والانتخابات القادمة:

من الناحية الأخرى، فإن مايكل كوهين المحامي الشخصي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حكم علية بالسجن لثلاث سنوات، بسبب التجاوزات المالية لحملة ترامب الانتخابية والتزوير الضريبي والتزوير المصرفي. وفي شهادة له أمام الكونغرس، علق قائلا “لدي قدر من الخوف وهو أنه إذا ما خسر الرئيس الأميركي ترامب الانتخابات القادمة لعام 2020، فلن يكون هناك انتقال سلمي للسلطة”. إذ يعمل الرئيس الأميركي على مجموعة من المحاور للفوز في الانتخابات القادمة أو منع منافسه الديمقراطي من الوصول للبيت الأبيض أوجزها “ديفيد فروم” في التالي:

١- التشكيك في حيادية القضاء أو على الأقل بعض العاملين فيه. ولذلك عملت الإدارة على الإطاحة بالمدعي العام لمنطقة جنوب مدينة نيويورك جيفري بيركان، أو أي شخصية جمهورية مستقلة تدخل القضاء. بل إن وزير العدل الحالي وليام بار قد سبق له وأن هدد بالاستقالة بسبب ما سمي بتدخلات الرئيس في أعمال القضاء. (1)

٢- جعل عملية التصويت في الانتخابات القادمة عملية صعبة على المناطق التي بها أقلية مؤيدة للحزب الجمهوري وأكثرية ديمقراطية من خلال تقليص عدد مراكز الاقتراع للناخبين، فمثلا في عملية التصويت التي تمت خلال الشهر الماضي تم تقليص عدد مراكز الاقتراع في مدينة كنتاكي من 3700 مركزا إلى 200. أي جعل طوابير الانتظار للتصويت أطول في زمن الكورونا، ما سيحد من عدد الناخبين تفاديا للإصابة بفايروس الكورونا. أو التشكيك المتزايد في حيادية وإمكانية ضبط التصويت الالكتروني الذي قد يلجا إليه قطاع واسع من السكان في ظل استمرار جائحة كورونا.

٣- الاستفادة من الدعم الخارجي الذي أثبت جدواه في الانتخابات السابقة، التي برزت في محاولات ترامب لتوظيف حالتي أوكرانيا والصين ضد منافسه جو بايدن لدعم حظوظه في الانتخابات القادمة.

٤- ان الحزب الجمهوري وبخلاف الحزب الديمقراطي، أكثر قابلية لتوظيف طرائق وأساليب غير ديمقراطية لتحقيق فوز مرشحة. إذ تم حصول ذلك في عدة انتخابات سابقة. (مجلة أتلانتك الأميركية 30 يونيو 2020).

أو العمل على الطعن في نتائج الانتخابات في بعض الولايات الأميركية. إذ يقول أحد العاملين في حملة ترامب الانتخابية لجريدة الواشنطن بوست، أنهم يعملون على كل السبل والاحتمالات بما فيها توظيف الألعاب الإلكترونية كحرب النجوم وغيرها. إذ عمل هؤلاء من خلال هذه الالعاب التوصل إلى أن احتمالات فوز جو بايدن على الرئيس ترامب في ثلاث من الولايات وهي وسكنسن وميتشغن وبنسلفينيا، مستغلين في ذلك حضورهم الكثيف في مجلس الشيوخ. (واشنطن بوست 6 يوليه 2020).

ويعتقد ديفيد فروم في مقال له في مجلة الاتلانتك في شهر يونيو الماضي من أن هذه الأسباب قد تحقق لترامب فوزا على منافسه رغم هبوطه في الاستفتاءات التي تجري هناك. (مجلة أتلانتك الأميركية 20 يونيو 2020).

وتبرز مخاوف كثيرة من أن الثلاث سنوات ونصف التي قضاها ترامب في إدارة الدولة قد خلقت تقاليد جديدة في الإدارة تتجاوز الطابع المؤسساتي المُشكل للإدارة الأميركية. كما أنه قد طبع نمط إدارته الشخصانية ذات النزعات السلطوية على بعضها وهو ما قد يقود كما يعتقد هذا البعض من أن نمطا من الدولة التسلطية بات يتشكل هناك ويقترب في بعض سماته من الشكل الصيني والروسي. من الناحية الأخرى فإن مواقف الرئيس ترامب العدائية من دول التحالف في الغرب الأوربي قد تقود إلى حالة من العزلة عن دول التحالف الأوربي التي تشكلت القوة والهيمنة الأميركي العالمية من خلالها. (مجلة الاتلانتك 20 يونيو 2020).

ومع ذلك فإن هذه المخاوف رغم رجاحتها إلا أن القرار في فوزه من عدمه ستقرره صناديق الاقتراع يوم 15 نوفمبر المقبل، وهو قرار تحدده بشكل كبير قدرة الإدارة الحالية على تحسين الوضع الاقتصادي وتقليص حجم البطالة والعوز في أوساط الأميركيين كما هو يحدده قدرة الرئيس ترامب على إدارة أزمة كورونا بصورة أفضل من وضعها الحالي والتي باتت تمثل تهديدا وجوديا حقيقيا، وهي رغبة كما يبدو تعترضها الكثير من المفاجئات، رغم أمنيات البعض برؤيته خارج الإدارة في يناير المقبل2021.

المصادر.

http://https://nournews.ir/Ar/News/43048/

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية