العدد 4280
الجمعة 03 يوليو 2020
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
حدود الحب هي أن تحب بلا حدود
الجمعة 03 يوليو 2020

الحب كائن ضوئي يعيش على الضوء ولا ينمو إلا مع القناديل. إنه وادع كطفل رملي يهوى اللعب بالرمل على ساحل بحر كاريبي كما يهوى النوم على ذراع العشيقة. ليس مسؤولا عن انكسار العشاق، وجراحهم وخناجرهم إذا لم يحسنوا احترام قواعده.

سئل الشاعر أدونيس عن خيبة الحب فقال “إن الخيبة في الحب لا تحدث إلّا بفعل العاشق أو المعشوق. إذا حلّت الخيبة في الحب، فإن الحب ليس مسؤولًا عنها، بل المحبوب هو المسؤول. الحب لا يخيّب أبدًا. لكن، وربما تكون الخيبة هي جزء من الحب، بوصفه تجربة لا يمكن أن تولد كاملة. الحب لا يمكن أن يولد كاملًا”.

خيبة بيتهوفن في الحب في محاولته السباحة في عين امرأة من النبلاء تبحث عن ترف القصر قبل ياسمين الروح وموسيقى القلب. خيبة نيتشه في الحب بأنه أغرم بسالومي، الشابة اللعوب، التي تفكر أن تكون قامة فلسفية على حساب وجع نيتشه، رهين الحزن والصرع. خيبة الشاعر الفرنسي بودلير في الحب إنه كان يبحث عن حضن أمه في حضن الحبيبة. جرح ترك أمه له ظل ينزف حتى آخر يوم من حياته. خيبة آرثر رامبو في الحب بسبب مراهقته الصارخة على حساب هدوء الحب ووداعته.

الحب لا يخيّب، الاختيار الخطأ جزء من يُتم الحب أو أن هناك من يبحث عن الجسد قبل الروح. يقول الإمام علي (ع): “من أحب الجسد أيتمته التجاعيدُ”. الحب بريء منا ومن حماقاتنا ومن طيشنا، فالحب لا يجيد بناء المسالخ أو أعواد المشانق للقلوب. إنه مثل طائر السنونو، لا يوزّع شفاهه إلا على الأفق والسماء ويتقن التغزل بعين الشمس. ما أروعك يا نسيم الحرف، وربيع الكلمات (جاك فلوبير) وأنت توصف الحب أجمل وصف في قصيدة “هذا الحب” كان الحب ولا يزال: جامحًا كحصان، حيا كالرغبة، قاسيًا كالذاكرة، غبيًّا كالندم، باردًا كالرخام، رقيقًا كالذكرى، هشًّا كطفل يرنو إلينا مبتسما.

يقول القديس أوغسطين في قياس حدود تيرمومتر الحب: “حدود الحب، هي أن تحب بلا حدود”. أنت تحب الشخص الصح يختصر لك مسافات عن الوجع والألم. انتهى الحب أيام الزمن الجميل، وأصبح اليوم يعرض الحب في الأسواق كما كان يعرض العبيد كبضاعة في جنوب أميركا قبل الحرب الأهلية الأميركية، حيث أصبحت كل نبضة حبٍ بدولار في عالم رأسمالي متوحش؛ فهل الحب هو المدان أم إنه الضحية؟

يقول الماغوط “لقد أعطونا الساعات وأخذوا الزمن، أعطونا الأحذية وأخذوا الطرقات، أعطونا الأراجيح وأخذوا الأعياد، أعطونا العطر والخواتم وأخذوا الحب”. أختلف مع الأديب الروسي ديستويفيسكي حين قال “فرحة الحب عظيمة، لكن المعاناة فظيعة والأفضل للإنسان أن لا يحب”.

هذا اتهام للحب، فلماذا نحرم الحب من قوانينه وقواعده؟ حتى الحب له قوانين كي ينمو وله طقوسه ونوعية خاصة من الطعام المعنوي كي ينمو. قوانينه: أن يتلاقى الحبيبان في فلسفة واحدة للحياة مع حنين قلبي وجسدي متبادل، وأن يكون هناك استقلال اقتصادي لكل العاشقين، وألا تكون هناك علاقة مخفية خلف الستار فوق الرف تنتظر اللعب مع الخيانة.

يقول نزار “إن سرير الحب لا يتسع أبدًا لثلاثة أشخاص”. إن سقوط أحد هذه الأعمدة يعني الدخول في لعبة العواطف وتقود إلى سقوط الحب من الدور التاسع مهشّم الأضلاع ومنكسر القلب. حتى الحب رزق كما وصفه الرسول (ص) عندما دخل في عشق خديجة حيث قال: “إني رزقت حبها”. كما يوزّع الله الأرزاق يوزع الحب، لكن كما تزول الأرزاق إذا لم نحسن التعامل معها كذلك يهرب الحب.

يقول الإمام علي (ع): “النعمُ إذا دامت جُهلتْ”. أنت لا تشعر بقيمة الحب عندما تكون الحبيبة بقربك، وهي توضّب أثاث قلبك، وتنفض الغبار عن ذكرياتك البائسة، وتحتسي كأس العشق معك على ضوء القمر، وهي تقرأ عليك رواية “قصة حب” للأميركي ايريك سيغال، أو رواية الكاتب الروسي تولستوي (انا كارنينا)، ساعة نومك كاميرة نائمة تهدهد طفلها الصغير. الحب لا يترهل، وحدهم العشاق من يصيبهم الترهل. ففن إدارة الحب لا يقل أهمية وتعقيدًا من إدارة دولة، والقادر على إدارة حب قادر على إدارة وزارة أو دولة أو امبراطورية؛ لأن الحب هو فن إدارة اللذة والألم، وهو دستور الحياة الأكبر، ومنه تحبل العدالة، فتنتج مدنية وحقوقا وحضارة. يقول قباني: “الحب في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه”.

ما الذي يجعل فيلسوفا عظيما مثل فولتير يهرب ليلًا لينجو مع حبيبته من بطش السلطة ويوصيها في كتاب “حبيبتي ثقي بلا أحد”؟ ما الذي يجعل الفيلسوف ابن رشد أن يغرم بحبيبته (لبنى)؟ ورغم أنه تزوّج بعدئذ بابنة عمه سارة، وأنجب منها أطفاله، وكان مخلصًا لزوجته طيلة حياته وبارًّا بها، فإنه اعترف لاحقًا بأن لبنى كانت حبه الأول والأخير.

يجب أن ندافع عن الحب حتى الرمق الأخير شريطة ألا نقتحم غرفته وهو نائم كطفل وادع، ونضع المخدة على وجهه فنخنقه قتلًا ثم نشيّعه، ونبكي عند قبره، ثم ندعي أن الحب خذلنا. الحب لن يموت ما دامت الأرض تزحف، والكون لم يكف عن الدوران.

انشروا الحب بين الطوائف والأديان، انشروه في السياسة والثقافة والاقتصاد وحضارة الاختلاف سوف يحرّك ويغيّر كل شيء.

رسائل بلا تشفير

قمت بنشر 3 تسجيلات صوتية بأدائي وقلمي على وقع الموسيقى بمزجها ببعض أقوال فلاسفة وشعراء ومفكرين. الأول عن الإمام الحسين (ع) بعنوان: رأيت كل زهرة تنام عند كتف الحسين. الثاني: إلى باريس الحب. الثالث: عندما يُترك الحب على الأرصفة.

التقاعد السياسي مهم لأي خطاب سياسي أو ديني، يحمل مراهقة سياسية، ويفقد بوصلته الوطنية والدينية والاجتماعية. لقد انتهت ثقافة “دفع الفواتير السياسية” وجاء وقت كيف نرسّخ الثقافة الوطنية بالترافع عن نبض الشارع البحريني بثوابتنا القديمة الجديدة وبشعارات الحب والولاء قائلين: نعم للولاء للقيادة ونعم للحُكم، نعم للمشروع الإصلاحي، نعم للوحدة الوطنية، نعم للوطن، لا للفساد، نعم لثقافة الحياة، نعم للمدنية، نعم لحضارة الإنسان، نعم لراحة المواطن، نعم لصحافة تعبر عن هموم المواطنين. نعم لكل محور إقليمي يدعم الخليج وحكوماتنا الرشيدة في السياسة والأمن والاقتصاد. ولا لأي محور إقليمي يتحالف لإضعاف خليجنا العظيم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية