العدد 4025
الثلاثاء 22 أكتوبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
ما تزرعه السياسة يحصده الاقتصاد... لبنان مثالا
الإثنين 21 أكتوبر 2019

طرح رئيس وزراء لبنان سعد الحريري ورقة عمل اقتصادية، تتضمن 24 محورا للخروج من أزمة الاحتجاجات التي يشهدها لبنان منذ الخميس الماضي. ورقة أجدها رومانسية ولا تعالج أزمة اقتصادية خانقة ومتراكمة لسنين. الورقة أشبه بهيروين مؤقت لمرض عضال. “وكان اللافت في الورقة أن تكون موازنة العام 2020 بلا عجز”، فيما تتحدث مصادر عن اتفاق مع البنوك؛ لخفض تكلفة الدين العام، ولفرض ضرائب على أرباح المصارف لمدة عام واحد. والسؤال هل المصارف تتحمل مزيدًا من الضغوط؟

كما تضمنت الإجراءات الإسراع في خصخصة قطاع الهاتف المحمول، والشروع في إصلاح قطاع الكهرباء، وإقرار مناقصات محطات الغاز، إضافة إلى وضع ضرائب على المصارف وشركات التأمين 25 %.

- أي مناقصة أو اتفاق يتجاوز 25 ألف دولار مطلوب موافقة مسبقة من ديوان المحاسبة والتفتيش، على أن يحق للوزير بالموافقة على 200 ألف سنويا والباقي يخضع لموافقة مجلس الوزراء. إضافة إلى تخفيض رواتب المسؤولين والوزراء والنواب والقضاة إلى النصف. إنها خطوة جيدة، ولكنها لا تخلو من رومانسية اقتصادية، وتستخف بها الأرقام والظروف وحجم البطالة والعجز في الميزانية والدين العام وموازين القوى بلبنان. إنه خيال أن تكون ميزانية لبنان لـ 2020 بلا عجز، فالاقتصاد اللبناني ميت سريريا، وكيف يكون بلا عجز؟ هل بعصا سحرية والوضع المالي لا يحل بورقة، والوضع المالي حرج وغير مستقر تماما بسبب المديونية العامة العالية وانخفاض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض الإيرادات الحكومية وزيادة معدلات التضخم والنفقات الحكومية، وكذا ارتفاع العجز في الميزانية والحساب الجاري والمقدَّر بنحو 13 مليار دولار. كل هذه لا تعالج بقرارات متسرعة غير مدروسة في ثلاثة أيام.

أقول: أولا، الإشكالية الكبرى هي في رموز الأحزاب والطوائف والمحاصصة الطائفية، ومنع دخول دماء جديدة من الشارع اللبناني لمطبخ القرار. ولبنان يحتاج حكما ليبراليا مفتوحا. ثانيا: حجم الدين العام اللبناني لا يعالج برد فعل مع وصول الدين العام اللبناني إلى 85.8 مليار دولار، وقدر حجم الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بـ 149.5 % في نهاية أيلول 2018 من العام الماضي. وهو وضع كارثي.

السؤال، هل تخفيض رواتب المسؤولين سيحل هذا الدين الكارثي مع فوائده؟ ولو افترضنا أن الخطة تمتلك مصباح علاء الدين السحري، فلن تستطيع أن توفر أكثر من أربعة مليارات، لا تغطي فوائد القروض فضلا عن تلبية حاجات الناس الضرورية. وهي لا تعد شيئا أمام شبح الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان واستحقاقات المعيشة والعقاقير الاقتصادية الملحة لعلاجه. لبنان سياسيا واقتصاديا بحاجة إلى تفكيك، ثم إعادة تركيب من القمة إلى القاع!

مستوى التضخم زاد في لبنان، وقد أفاد مركز الدراسات في مجموعة “فرنسبنك” أن قطاع الألبسة والأحذية سجل النسبة الأعلى في سلة التضخم (9.66 %)، تلاه قطاع المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية (6.18 %)، ثم قطاع التعليم (5.40 %)، ثم قطاع الاستجمام والتسلية والثقافة (5.26 %)، ثم قطاع الأثاث والتجهيزات المنزلية (5.02 %)، وأخيرا قطاع الماء والكهرباء والمحروقات الأخرى (4.24 %). هناك بعد اجتماعي لابد النظر إليه من خطورة تراكم وضع هذه الأثقال على المواطن اللبناني. إضافة إلى خطورة استلاب القرار السياسي اللبناني. وما حدث بلبنان يحدث في تشيلي في أمريكا اللاتينية. هذا وإن معدل التباطؤ هو الذي يطغى على مسار الانتظام المالي في لبنان.

وفي هذا العام صرح وزير المالية اللبناني علي حسن خليل بأن النمو الاقتصاد اللبناني يبلغ صفرا إن لم يكن سلبيا، مما يضغط على احتياطات النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان المركزي. أمام هذه التحديات، السؤال هل ورقة الحريري تستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ بالطبع لا.

الاقتصاد قرار وإرادة وإستراتيجية بعيدة المدى وإنتاجية وتنوع قطاعات، وتنمية بشرية وشفافية بلا فساد مالي وإداري، ومتابعة بحرفية للنمو الاقتصادي ودراسة جدوى للمشاريع؛ كي لا تتحول إلى مشاريع فيلة بيضاء تمامًا كما هي سنغافورة واليابان والدول الاسكندنافية، الاقتصاد إستراتيجية، وليس ردود فعل بسبب مظاهرات وما تزرعه في السياسة تحصده في الاقتصاد. 2020 ستكون سنة اشتعال الحرائق في أغلب دول العالم بسبب الأزمات الاقتصادية وسوء إدارة المال إن لم يكن هناك علاج حقيقي وإعادة نظر في بعض ثغرات وأخطاء النظام الرأسمالي.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية