العدد 4019
الأربعاء 16 أكتوبر 2019
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
ملائكة الجحيم
الأربعاء 16 أكتوبر 2019

لا توجد منطقة آمنة في الحب، فالقاتل هو الحبيب يقول مورغان فريمان: (أكثر الناس حرصا على عدم إثارة الفزع في قلوب العصافير أو إزعاجهم هو الصياد الذي يقتلهم). أولا دعوني أخفف على كل عاشق أنه -كما يقول لويس أراغون -لا يوجد حب سعيد. أقول، لا توجد وصفة سحرية للخروج من الحب، ولكن يوجد (جم) خاص لتدريب عضلات القلب والعقل لتخفيف آثاره.


الحب مثل مرض السكر لابد أن تتعامل معه على أنه العدو الصديق؛ لكي تخفف آثاره. عندما تغرم لا ترى الأخطاء. الحب مخادع، والحب أشد خطرا من الفينتانيل الذي يعتبر أقوى بـ 80 إلى 100 مرة من المورفين، وبشكل تقريبي هو أقوى بـ 40 إلى 50 مرة من الهيروين المستخدم بشكل طبي. وأعني هنا الحب الجنوني، فهو أكثر خطرا من أي نوع من المخدرات. لا تستهينوا بالأمر. كثيرون هم الذين فقدوا حياتهم بسبب لعنة الحب.

عندما تنسف كل تعلق تأتيك الحياة. يعجبني مبدأ القطار لا ينتظر من لا ينتظره. للأسف، نحن نتعلم الإسعافات الأولوية، لكن لا أحد منا تعلم قواعد مواجهة الحب. وقعت ملكة السويد الشابه كرستينا 1632 في الحب، فلما خسرته تخلت عن المُلك، وهربت لإسبانيا. لم تيأس استعانت بالمفكر العظيم ديكارت ليشرح لها عن نوعية هذا الألم الذي يصيبها، ويدمرها من الداخل. وكيف هو خطورة الحب؟ ديكارت الفيلسوف لم يتورط بالتعلق.


كان يقدس الحرية، وهو القائل: (عندما يكون الشخص مكبلًا بالسلاسل الحديدية منذ طفولته، سيعتقد أن هذه السلاسل جزء من جسده، وأنه يحتاجها ليتمكن من المشي). نحن في الحب نعتقد سلاسل الحب جزءا من حياتنا، وهنا يكمن الخطأ. التعلق أنواع. هناك من كرسيه قلب حبيبة. هناك من يغرم بمال. هناك من يعشق الشهرة، ولكن الحر هو من يعشق الحرية. هناك عبد قلب. وهناك عبد أيديولوجيا. وهناك عبد رجل دين. وآخر عبد زعيم سياسي.
هناك عبد حزب. وكلهم شوزيفرينيون يعانون الانفصام. يقول علي الوردي: “لو خيّروا العرب بين دولتين علمانية ودينية، لصوّتوا للدولة الدّينية وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية..” . ‏‏


أقول: أرقص كأن لا أحد يراك.. وكن كالنورس حر هو يشكل ألوان السماء والأرض. السعادة أن تلبس معطف الحرية متخلصا من كل سلاسل وقيود عبودية القرن الواحد والعشرين، والمتمثلة في عشق المال والسلطة والشهرة والسوشال ميديا والعلاقات الغرامية، وتعمل على صناعة جزيرتك الخاصة وحديقتك الخلفية التي تعيش فيها عندما يتحول العالم إلى مكان مضروب بطاعون الاستهلاك، ويتحول (البشر المتحضرون) إلى ميلشيات، ولكن على مكاتب، وبلباس مدني جميل، وحديث منمق وحضاري مع تخمة من الماركات البارزة على الملابس، لكن هم في الداخل عبارة عن فصيلة من سلالة الفامبايرز (مصاصو الدماء). الاستقلالية هي القوة. أولا أرقص في حفلة حياتك، فمن تنتظر الإذن منهم لتفرح هم يرقصون يوميا، وحدك أنت تتحمل وتواجه العواقب، وهم غارقون في الترف.


وردت عبارة في فيلم لصديق يعاتب أخته العاشقة على حزنها على حبيبها: (ما الفائدة من هذا التعلق؟ أنت في حزن وهو في الخارج يأكل شرائح اللحم ويمارس العلاقات الغرامية). أنت لا تحتاج الى حبيبة، وهي لا تحتاج إلى حبيب، فقط صديق مخلص لذاتك، وهو أنت وربما نصف محب. كل الذين معك أصفار تحتاج إلى واحد لإلغاء بقية الأصفار. عندما تكون صديق ذاتك ستفرح بأصغر الأشياء، عندما ينتهي التعلق بالأشياء سيكون قلبك إلهيا ولا تغريك ما يغري الآخرين من البشر، ستسافر مع نفسك، ستستمع برمل الشواطئ، وستطبخ بيديك كاستمتاع ريفية تغذي أولادها.


ستعشق الأفلام، ستحب الثقافة، والرياضة واللباس والديكور وكل متع الحياة؛ لأنك لم تتعلق بواحدة، بل آمنت بكوكتيل الحياة. لا تسلم قلبك لأحد خصوصًا لمن تأمن لهم. هذه ليست بارانويا أو تشكيك ارتيابي بل حذر. لا تضع ثقتك لا في رجال الدين، ولا رجال السياسة ولا العالم. فالحياة مسرحية، ممثلون ومتفرجون وعمال يكنسون الفشار، ويمسحون دموعهم من محارم ورقية نساها الأغنياء في حمام السينما الجميلة. أولئك الذين تحبهم هم ملائكة الجحيم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية