العدد 3991
الأربعاء 18 سبتمبر 2019
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
نتوخى الحيادية... لكننا لا نبلغها!
الثلاثاء 17 سبتمبر 2019

إنني من المؤمنين – تمامًا – بأن موضوع الحياد العلمي، الذي يُطالبُ به الباحثون، لا يعدو أن يكون محضَ وهْمٍ؛ فهو يعني – فيما يَعني – ألاّ نغلِّب الهوى، أو الذات في كتاباتنا، وأن ننتصر للمنهج العلمي أو النظرية العلمية، اللذين نهتدي بهديهما في مسارات البحث.

إذ ذاك؛ شغلَنا موضوعُ ألا نكون نحن؛ رغم أن هوانا غالب، وأن نكون حياديين؛ فلا ننتصر لمصلحة شخصية، أو رغبة ما، وأن نقتفي منهجًا لا نحيد عنه، وكأن المطلوب منا؛ مع كل حرف؛ أن ننتصر للحقيقة؛ التي هي العدل البحثيّ المطلق؛ لننتهي بنقادٍ أو حُكّام يصنفون بحوثنا بالصلاحية من عدمها! أو بالقبول من سواه!

نعم؛ توخّي الصدق قدر الإمكان مسألة مهمة، ولكن، ألا تتفقون معي أن الحياد العلمي الذي نتغنى به، يجافي الصدق التام! فمن أين جاء؟ وكيف طُرح؟ وهنا لن أقف على تاريخه، أو مكانه الأول؛ بقدر ما سألفتُ إلى مصدره الإنساني؛ المجتمعي! وما كان كذلك، كيف يكون مُطلقا أو مُنزّها؟!

علماء الاجتماع أو دارسوه يَعرِفون جيدًا أن المرء محكوم بشروطه المجتمعية؛ عقيدةً، وأخلاقًا، وتوجهاتٍ سياسية... إلى آخره من شروط الجماعة، وكلما كبر الفرد منا؛ نمتْ هذه الشروط/ المفاهيم؛ كبذرة تأتي أكلُها في عقولنا، فكيف فجأة: ندّعي الحياد العلمي في بحث ما أو غيره؟!

قال بعضهم: إن العلوم الإنسانية عصية على الحيادية، وأنها فيها مستحيلة! وأكد آخرون أن العلوم الرياضية التجريبية حيادية تمامًا. فكيف ذا؟ كيف والعلوم كلها إنسانية! ألم يخرج الرياضيون بأكثر من حل لمسائلهم الرياضية! ألم يطلع علينا اللغويون بأكثر من وجه إعرابي! ألا يعني ذلك أنه لا حقيقة ثابتة تمامًا، وأن ما يجعل منها كذلك – نسبيًا – هو الحجة أو الدليل، أو السند الذي نستند عليه، أيا كان هذا أو ذاك؟!

هنا مربط الفرس؛ فما يجعل من فرضيتي قابلة للعلمية من عدمها، ما يجعل من بحث ما علميًا؛ هو كيفية أو كمية الاستدلال اللذان يسوقهما الباحث للتدليل، على أن يكون منطقيا، مقبولا، موافقا للنظرية التي يطرحها، وبصورة أكثر عمقا، موافقا للنظرية (الجمعية) التي اتُفق عليها من أشخاص/بشر. توافقت عقولهم، ورغباتهم، ومن ثم؛ أهواؤهم على تلك النظرية. فمن أين جئتم بالحيادية في البحث العلمي! إنْ هي إلا تعبير مجازيّ، قابل للخلخلة، والتفكيك!

إن الباحث لا يكتب من فراغ، فهو نتاج تراكمات معرفية، وعُرفيّة، ومعتقدات، ومفاهيم، لن يغربلها منخل ما، في لحظة، أو سنة ما؛ فيتخلص منها فجأة! إن الباحث يُقارب أو يتوخى (الحيادية)، ولكنه لن يكونها، فذاك دونه المستحيل!.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية