العدد 3941
الثلاثاء 30 يوليو 2019
موقع البحرين في تقرير الاستثمار العالمي 2019
الثلاثاء 30 يوليو 2019

أصدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أخيرا تقرير الاستثمار العالمي 2019 الذي دأب على إصداره ونشره بصورة سنوية منذ العام 1991؛ ليرصد من خلاله أحدث الاتجاهات العالمية لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة حول العالم، مع إثراء التقرير بتحليلات معمقة تتناول جميع الموضوعات والمسائل المرتبطة بحركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتطورها.

وحظيت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “المينا” بنصيب كبير من اهتمام التقرير الذي يعتبر من بين أهم التقارير في هذا الصدد من ناحية الموضوعية والشمولية، وهو يعكس بجلاء المساعي والجهود التي تقوم بها “الأونكتاد” في توفير البيئة المواتية لزيادة إدماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي ونمو دور هذه المنظمة منذ تأسيسها في 1964؛ لتكون منبرًا معرفيًا مفتوحًا لصياغة أبرز الأفكار لتجارب التنمية، من خلال تنظيم المنتديات التي تشمل الحكومات والخبراء، إلى جانب إعداد الأبحاث وتحليل السياسات وجمع البيانات، إضافة إلى تقديم المساعدة الفنية للدول النامية والدول الأقل نموًا في مجالات ترتبط بالاستثمارات الأجنبية المباشرة، والسلع والملاحة والنقل والمنافسة والتقنية والتجارة.

وفي اعتقادي فإن أهم نقطة تناولها التقرير بخصوص البحرين وعلى مستوى دول المنطقة هي تحقيق مملكة البحرين ثاني أكبر نسبة من بين دول الخليج في تدفق الاستثمارات الأجنبية مقارنة مع الناتج الإجمالي المحلي الاسمي التي بلغت 4 %. والجدير بالملاحظة والانتباه أن التقرير رأى بأن الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مستوى العالم استمرت في هبوطها في 2018 وذلك بنسبة 13 % ليبلغ حجمها 1.3 تريليون دولار على الرغم من أن هذا الهبوط أقل بكثير من ما تحقق في العام الماضي والذي بلغ آنذاك 23 %، إذ يفسر ذلك الهبوط ما تواجهه هذه الاستثمارات من منازعات تجارية عالمية وتوجه نحو تبني السياسات الحمائية التي قد تساهم في عرقلة تدفقات الاستثمارات العالمية وتشكل تحديًا ملموسًا لبعض الدول إلا أننا نرى بأنها شكلت فرصة كبيرة للبحرين خصوصًا مع ما تتمتع به المملكة من انفتاح اقتصادي وبيئة أعمال مواتية مدعومة بمبادرات أطلقها مجلس التنمية الاقتصادية بالتعاون مع شركائه في تعزيز تنافسية المملكة وزيادة استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

كما شهدت الدول النامية تحسنًا طفيفًا في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغ 2 % مقارنة مع ثباتها دون تغيير في العام الذي قبله. وشكل هذا الارتفاع ما نسبته 54 % من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مستوى العالم - وهو ما اعتبره التقرير رقما قياسيا.

وفيما يخص دول غرب آسيا لوحدها فقد ارتفع فيها الاستثمار الأجنبي في العام الماضي بنسبة 3 % ليبلغ 29 مليار دولار في 2018 ليضع حدا لهبوط متواصل استمر لقرابة 10 سنوات، إذ بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصادرة من دول غرب آسيا قرابة 49 مليار دولار في 2018 - أي أكثر من تلك المسجلة في 2017 والبالغة 39 مليار دولار، وهو ما يعطي مؤشرات عديدة إلى أن هذه المنطقة قد أصبحت في بؤرة الاهتمام والتركيز للاستثمارات الأجنبية المباشرة كما أنه يعطي دلالة إلى جانب صحي آخر من خلال إشارته إلى أن دول المنطقة قد زادت قدرتها على الاستثمار في الخارج. وكانت المملكة العربية السعودية إحدى أكبر الدول في المنطقة التي استقطبت الاستثمار، فقد زادت الاستثمارات إليها من 1.4 مليار دولار في 2017 إلى 3.2 مليار دولار في 2018.

وبالعودة مرة أخرى إلى البحرين فقد أكد التقرير على أن المملكة شهدت زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر إليها إلى 1.515 مليار دولار في العام 2018 مقارنة مع 1.426 مليار دولار في العام الذي قبله - أي بزيادة تبلغ نحو 6 %، وهو ما يدل على الجاذبية والتنافسية التي تتمتع بها بيئة الاستثمار في المملكة والتي لم تتأثر كثيرًا بالمتغيرات الدولية.

ولعل ما عزز من أهمية القراءة التحليلية للتقرير هو كونه جاء في لحظة راهنة لعبت فيها الاستثمارات الأجنبية المباشرة دورًا مهمًا كأداة من أدوات التنمية والانتقال الاقتصادي وتسريع النمو للاقتصاديات النامية والصاعدة خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من خلال مساهمتها في خلق الفرص الوظيفية النوعية في مختلف القطاعات الاقتصادية وتسريع التنمية الاقتصادية وتداول المعارف والمهارات والخبرات، والاستفادة من مساهماتها على أكمل وجه، إلى جانب إتاحة رصيد إضافي من العملة الصعبة وتعزيز العلاقات التجارية وتشجيع المنافسة، وهو ما نراه ماثلًا أمامنا من خلال سعي المملكة إلى استقطاب الاستثمارات المباشرة لخلق الفرص الوظيفية في السوق المحلية، من خلال الدور الذي يقوم به مجلس التنمية الاقتصادية بالتعاون مع شركائه في القطاعين العام والخاص “فريق البحرين” في سبيل الاستفادة من مردود هذه الاستثمارات على رفاهية الوطن والمواطنين وهو ما عكسه تقرير الاستثمار العالمي 2019.

وساهمت الخطة الإستراتيجية التي تبناها مجلس التنمية الاقتصادية من خلال التركيز على القطاعات الاقتصادية ذات الميزة التنافسية والتي من بينها قطاع التصنيع في زيادة ثقة المستثمرين ببيئة الأعمال بالمملكة، من خلال توجه مستثمرين كبار مثل “موندليز” و ”أريستون ثيرمو” في 2018 إلى توسعة أعمالهم في البحرين.

وأرى أن ما هو مطلوب في المرحلة المقبلة هو نشر الوعي بأهمية الدور الذي تقوم به الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تحقيق التنمية الاقتصادية إلى جانب مواصلة التنسيق والتعاون بين الشركاء في القطاعين العام والخاص تأسيًا بمبادئ “فريق البحرين” حتى نحافظ على ما تحقق من إنجاز على صعيد استقطاب الاستثمارات وحتى نضمن ألا تذهب الجهود الكبرى المبذولة هباءً.

 

* رئيس جمعية الاقتصاديين البحرينية

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية