العدد 3908
الخميس 27 يونيو 2019
للأشياء الصغيرة إله
الخميس 27 يونيو 2019

في حفل تخريج لجامعة هارفرد، وقفت خريجة من الجزائر تحكي كم كانت فقيرة ومعدمة في طفولتها في التسعينات من القرن الماضي، إبّان الاقتتال. وذات مرة وهي مع أمها في السوق، رأتا تجمعاً فذهبتا إليه، وإذ هناك قوائم يكتب الناس فيها أسماءهم، وعند الاستفسار، قيل إن فرنسا توفر الهجرة لجملة من الجزائريين، لكن أمها ابتعدت لأنها لا تحسن الكتابة، فإذا برجل لا يعرفانه يلحق بهما ويستعلم عن سبب عدم كتابة اسم الأم، ولما علم أنها أمية، كتب اسمها نيابة عنه، بعد بضعة شهور وصلتها رسالة من فرنسا أن طلبها للهجرة مقبول، وهاجرتا وتغيرت الأحوال، حتى استطاعت هذه الفتاة أن تتخرج من واحدة من أعرق وأرقى جامعات العالم، فكانت الخلاصة، أن شيئاً صغيراً جداً، ومن إنسان لم يسأل نفسه لم يتردد، ولم يرد جزاءً ولا شكوراً، غيّر حياة أسرة بأكملها.

أن تمدّ يدك بمئة فلسٍ في صندوق للتبرعات من دون أن تسأل إلى أين ستذهب الأموال، أو هل ستؤثر هذه القطعة النقدية؟ أن يربّت الأستاذ على كتف طفل يبذل جهداً ليتعلم، أو تضع معلمة نجمة ذهبية لإجابة مبتكرة لطالبة، توقفك وأنت مسرع لتعدل لوحة على الجدار مائلة، أو لتبذل وقتاً لأحدهم في كتابة رسالة أنيقة يطلب فيها عملاً على الرغم من مشاغلك الجمّة، مجرد الاستماع إلى شكوى صديقتك من دون حتى أن تنتظر منك حلاً، ترجلك من سيارتك لتدفع مع آخرين سيارة توقفت في منتصف الطريق وتورط صاحبها، بدلاً من إطلاق المنبه غضباً من شيء ليست له حيلة فيه، ومئات الآلاف من الأمور الصغيرة جداً؛ تعطي معاني كبيرة للحياة، تشعر المعطي، قبل الآخذ، ان الإنسان فيه الخير دائماً، والأجمل أن المعطي لا يدري في أي أرض ستنبت عطاياه، وكم من المخلوقات سيستفيد منها.

لذا، أغبط القطاع الأكبر من المعلمين على ما يعود إليهم من تلاميذهم السابقين، فعلى الرغم من قلة تصدّيَّ للتدريب، إلا أنني لا أعدم شخصاً يظهر لي بين الفينة والأخرى ليقول إنه حضر لي ورشة، أو أن محاضرة لي أثرت فيه!

فالعطاء ليس في ضخامته، بل في روح المعطي بتلقائيته وبنفحة كبيرة من الحب الحقيقي للخير.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية