العدد 3753
الأربعاء 23 يناير 2019
مع سمو الشيخ محمد بن مبارك... (1-2) حدث في يوم الإثنين...
الأربعاء 23 يناير 2019

في الأسبوع الماضي، وبالتحديد يوم الإثنين 14 من هذا الشهر، وجه صاحب الجلالة الملك المفدى إلى تطوير المعهد الدبلوماسي وتحويله إلى أكاديمية خاصة للدراسات الدبلوماسية تحمل اسم سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة، نائب رئيس مجلس الوزراء رائد الدبلوماسية البحرينية وأحد مؤسسيها الأوائل.

وفي الكلمة التي ألقاها جلالة الملك في الاحتفال الذي أُقيم في اليوم نفسه بمناسبة اليوبيل الذهبي للدبلوماسية البحرينية، أوجز جلالته المكانة الرفيعة والمتميزة لسمو الشيخ محمد بن مبارك، مما لا يترك مجالًا للمزيد، عندما قال جلالته إن تاريخ الدبلوماسية البحرينية العريق يسجل له الإخلاص في الأداء والتميز في العطاء.

إن سمو الشيخ محمد بن مبارك يستحق، عن جدارة، هذا الإطراء والثناء والتكريم وأكثر.

هذه المناسبة والاحتفالية التي أقيمت يوم الاثنين عادت بذاكرتي إلى الوراء، إلى 46 عامًا مضت بالتمام والكمال، عندما حطّت في مطار البحرين الدولي طائرة شركة الطيران الهندي (Air India) التي كنت على متنها قادمة من مدينة بومباي، التي تسمى الآن مومباي.

كان ذلك في الساعة 9 صباحًا من يوم اثنين من شهر يناير من العام 1973م. كنت عائدًا إلى أرض الوطن بعد أن أتممت دراستي الجامعية وحصلت على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة بومباي، وكنت بطبيعة الحال متطلعًا ومتحفزًا بل متلهفًا ومتعطشًا للالتحاق بالعمل في وزارة الخارجية، وفي أمسّ الحاجة إلى الوظيفة.

قبل أن أغادر بومباي كنت قد حررت طلب الوظيفة مدعومًا بالمستندات المطلوبة وموجهًا إلى معالي وزير الخارجية وقتها سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة. وما إن بلغتْ الساعة 11 من صباح اليوم نفسه إلا وأنا واقف في مكتب المرحوم الشيخ عبدالرحمن بن فارس آل خليفة مدير الشؤون الإدارية والمالية بوزارة الخارجية آنذاك وقدمت له طلب الوظيفة.

في تلك الأيام كانت الحياة لا تزال بسيطة والأمور سهلة ميَسَّرة بلا تكلف ولا تعقيد، كل البوابات والأبواب كانت مفتوحة من غير حُراس أو حُجاب بما في ذلك أبواب مكاتب المسؤولين، وكنت أسكن في بيتنا القديم في فريج المخارقة الذي يبعد 10 دقائق مشيًا إلى مبنى دار الحكومة، الذي كان يضم مكاتب وزارة الخارجية. لم تُخترع في ذلك الوقت الهواتف النقالة، وكمعظم البيوت في ذلك الوقت لا يوجد في بيتنا القديم هاتف حتى أتمكن من الاتصال والاستفسار عن مصير طلبي، فقمت بزيارة المرحوم الشيخ عبدالرحمن بن فارس في مكتبه في اليوم الثاني من تقديمي الطلب واليوم الثالث أيضًا، وفي اليوم الرابع، يوم خميس، أخبرني الشيخ عبدالرحمن بأن وزير الخارجية قد وافق على التحاقي بالعمل في الوزارة، وأستطيع أن أباشر العمل يوم الإثنين من الأسبوع التالي. وبالفعل في تمام الساعة 7 من صباح ذلك الإثنين كنت جالسًا على طاولة عملي بوزارة الخارجية، أي أن حصولي على فرصة العمل قد تم بسرعة وفي أقل من أسبوع بساعات.

حرصتُ في ذلك الاثنين أن أذهب إلى مكتب الوزير لأشكره، وإذا لم تخني الذاكرة فقد كان وقتها الأخ الزميل البشوش السفير حمد العامر مديرًا لمكتب الوزير.

أحسستُ، وأنا شاب صغير في ذلك الوقت، أن هذه الدنيا مليئة بالخير والطيب والأريحية، واستنشقت رائحة الزهور وعبق النرجس والياسمين عندما استقبلني الوزير في مكتبه، دون موعد مسبق وفي أول يوم من وقوفي على العتبة الأولى من سلم العمل في وزارته، جلست أمامه صامتًا عاجزًا عن التعبير عن الشكر، فرحب بي وأسدى إلي باقة من النصائح والتوجيهات خلاصتها أن علينا جميعًا أن نعمل لصالح هذا الوطن، وخرجت من مكتبه بعد أن تعلمت كيف يجب أن يتصرف الكبار.

حصلت على فرصة العمل التي كنت أتطلع إليها في أقل من أسبوع ودون أي “واسطة”، خِلافًا لما يدّعي البعض بأن الحصول على فرصة عمل لائق في وزارات الدولة أو غيرها تحتاج إلى “واسطة” وإلى سند من ذي نفوذ، نعم حصلت على الوظيفة دون أن أشعر بأي عائق أو نَفَسٍ طائفي ودون أن أشُم رائحة أو أرى أي أثر لتفرقة أو لتمييز. وأنا لستُ الوحيد، فهناك المئات أو ربما الآلاف ممن مروا بالتجربة ذاتها، وهذه كلمة حق وشهادة صدق مربوطة في عنقي تُحَتِّمُ علي الأمانة والواجب والضمير أن أُدلي بها وأنقلها إلى مسامع كل من يريد أن يسمع الحقيقة.

في يوم الاثنين قبل 46 عامًا ترسخت ولا تزال متشبثة وعالقة وراسخة في كياني وقلبي ووجداني القناعة والإيمان بأن بلادي بلد خير ومحبة وعطاء، لَيستْ هي “المدينة الفاضلة” أو “يتوبيا” التي تخيلها قدماء الإغريق، ولا كل من فيها ملائكة أو معصومون أو منزهون من الزلات والأخطاء، وهي كغيرها من الدول ليست مُحصَّنة أو خالية من التجاوزات ومن الأمراض والأعراض المزعجة، لكنها بلا أدنى شك لا تستحق أن تجابه بالجحود والنكران، بل يجب أن تُبذل في سبيلها المُهج والأرواح. بلدي زاخر وغني برجال ونساء صادقين مخلصين وعلى أتم الاستعداد للذود عن حياضه وإفناء حياتهم في خدمة ترابه كما فعل ولا يزال، سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة ولأكثر من 50 عامًا، وغدًا للحديث بقية.

التعليقات
captcha

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية