العدد 3508
الأربعاء 23 مايو 2018
قهوة الصباح سيد ضياء الموسوي
الوزير وأبواب الوزارة المقفلة بالحديد
الأربعاء 23 مايو 2018

لا أمتلك مفارقات الفيلسوف الإغريقي زينو، وأنا أحرض الفلسفة على أي وزير أو عندما كتبت مقالي على طريقة فيلسوف النقد كانط عن «بشت الوزير»، لكني قصدت الهدف، ومارست النزف بالكلمات على ورق الكتابة، صحيح تحسس البعض كرسيه، وآخر عتبة وزارته، حيث هناك من جعل البشت «جدار مبكى» يتلو عليه التعويذات، وحرق البخور، وتقديم النذور؛ خوفا من انتهاء رحلة الغرام مع البشت في هوس جنوني من انكسار ذكريات سنين العسل، وكأن الوزارة رحلة باربكيو على ساحل جميل، لا مسؤولية وطنية.

«متلازمة الكرسي» ليست أكثر خطرا من متلازمة استوكهولم. خامات الوزراء مختلفة في تحمل النقد، وصناعة الأمل، فجيناتهم مختلفة حسب التطعيم الثقافي، فمنهم من يصنع معجزة تطور في وزارته، على طريقة معجزة (شي بينغ) في الصين، ومنهم من يقودها للموت السريري الإكلينيكي بعد أكثر من ذبحة صدرية إدارية.

وأكبر خطر سيكولوجي يصيب الوزير بعد تغييره هو مرض «الفيلوفوبيا»، وهو مرض يحطم القلوب «رهاب الحب». صدمة الفراق للكرسي يقود إلى الخوف والذعر من علاقة جديدة لكرسي جديد يخاف فقده.

تعلمت وخلال النزف لعشرين عاما، وأنا أقود معركة التنوير من جهة، والدفاع عن قيم المشروع الإصلاحي من جهة أخرى، المشي على حد عشرين سكينا، فلا السكين أوقفتني، ولا كل محاولة قطع الأصابع هزمتني وفرضت عليَّ كسر القلم.

معركتي هي معركة ثقافية ووطنية وإنسانية وقناعة أبحرت بها كل هذه السنين في بحور مليء بأسماك القرش، المتوحمة على دم القلم أو اغتيال السمعة، لكني واصلت الإبحار كارها الوصول إلى شاطئ معين؛ لإيماني بثقافة النورس، وهو يطير بحقيبة سفر وعقل حر، وقلب يتكئ عليه إذا انكسر.

عندما تمارس الثقافة معركة إطلاق الرصاص على الأخطاء الوزارية تكسب المعركة ولو لاحقا؛ لأن الثقافة هي الباقية في التاريخ مهما غضبت وزارة أو تعملقت نرجسية وزير أو أصيب بجنون العظمة أو حتى البارانويا وجنون الارتياب، أو التشكيك في نية الصحافة من هدف الكاتب الناقد نشر الغسيل لا ترويج الثوب الجميل.

ولأن الثقافة باقية تستطيع أن تقول وزير سابق، ومدير عام أو نائب سابق، لكنك لا تستطيع أن تقول: مثقف سابق؛ لأن كل شي يفني في التاريخ إلا الفن والثقافة.

مهمة الكاتب هو حشو بندقيته برصاص الكلمات، لا ليمارس الرقص في حفلة وزارية على طريقة الأعراس العربية، وإنما اصطياد الأمل ولو بإراقة دم أزرق.

قلت سابقا عيني يسكنها قناص، أخرج كل صباح لاصطياد الجمال أكان لوحة زيتية أو كتابا معرفيا أو قطعة قماش. هذا القناص سينتقل بين صالونات الوزارات، وصفحات الصحافة، وأوراق تقارير الرقابة المالية البحريني، وما يصل من شكاوى شعبية، ليوصل المعلومة غير المغلفة بإكسسوارات (الفالصو) المتكدسة في مكاتب العلاقات العامة لكل وزارة، وينقلها بلا أتربة عبر الصحافة إلى صالونات مطبخ السياسة، وصناعي القرار.

فالصحافة ليست حزمة إعلانات، بل مسؤولية وطنية، وإلا تحولت إلى (نعومي كامبل) همها استعراض أجمل الماركات؛ لترضي شركات الفاشن على طريقة الفاشينيستا.

ليس دور الصحافة حجز باقة ورد من أقرب محل زهور مع بطاقة معايدة صحفية لمكتب وزير أو مدير هيئة أو وكيل، دورها أن تحرض العاصفة، وتصنع الطوفان الصحافي، أن تكسر الصمت، وتفجر المفاجأة، وتصنع الصدمة، وهنا يجب ألا يكون الجلد السياسي لأي مسؤول حساسا من أي نقد، أو يعاني حكة جلدية أو صدفية من نقد أي صحيفة أو كاتب. تقارير ديوان الرقابة المالية فجَّر أكثر من قضية، لكنها تحولت إلى برد وسلام لعدة أسباب منها: أن بعض الوزراء يراهنون على نعمة النسيان للمجتمع، ومنهم من يغلقون أبواب مكاتبهم بأقفال حديدية عن التقارير، وعن النواب، فضلا عن المواطنين، نشهد ظاهرة شكا منها أغلب النواب البرلمانيين، وهي أن الوصول إلى لقاء أي وزير أو مقابلته أصعب من رؤية العنقاء أو الحصول على لبن العصفور، بل وأصعب من الوصول إلى جدار برلين سباحة عبر المحيط الأطلسي، فيبقى النائب أشهرا على لائحة الانتظار، في حين -وهنا المفارقة- نجد سمو رئيس الوزراء وبكل رحابة صدر يتلقى يوميا هموم المواطنين التي تطرح في الصحافة لتعالج باستجابة سريعة في اليوم الثاني، ويلتقي بالناس أسبوعيا فضلا عن المسؤولين.

هذا هو الفارق بين سموه وبعض الوزراء. فكأنما بعض الوزراء في مكاتبهم المغلقة، وصدودهم عن لقاء النواب والناس وتجاهلهم تقارير الرقابة المالية يريدون تحويل قبة البرلمان إلى حفلة عرس لتلقي التهاني، وتقديم القداس، وغسل رجل الوزارة بماء الورد وماء الكرامة.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية