العدد 2796
الجمعة 10 يونيو 2016
رحلة “بيان” الأخيرة
الجمعة 10 يونيو 2016


في قاعة مليئة بالزخارف الإسلامية بمأتم السنابس يقف رياض النجار في صفٍ طويل بين أهله وذويه، لكن لا شيء يسلّيه عن فقد ابنته “بيان” ذات الـ 17 عشر ربيعا التي خطفها الموت خلال رحلة علاج بالأردن.
جلستُ إلى جانبه، وهو يتحدث إليّ عن الرحلة الأخيرة، كان يحاول باستمرار أن يمسك دموعه. بدأ يحدثني عن “بيان” الطالبة المتفوقة في مدرسة جدحفص الثانوية للبنات، وحدثني بنبرة حزينة عن يوميات ابنةٍ هادئة رحلت بهدوء.
كانت عائدة من المدرسة عندما قالت له “بابا أشعر بصعوبة في تحريك رجلي”، لم يكن يشعر أن تلك هي بداية النهاية، كانت آماله وآمالها أكبر، كانت تحلم في شق طريقها، غير أنها لم تعلم أن ذلك الطريق كان مسدودا مبكرا بالموت.
عندما يواجه ابنك الموت تتمنى لو أنك تستطيع أن تواجهه بدلا عنه، لكن ذلك لا يمكن أبدا. ما كان ممكنا فقط هو ما قام به النجار. تحمّل رياض فوق قدرته المالية بأضعاف لكي يعيدها للحياة، “كنتُ مستعدا للتخلي عن كل شيء مقابل إنقاذ روح ابنتي الجميلة”.
حدثني عن أيامها في الأردن، كانت بعيدة عن وطنها وأهلها وصديقاتها في مواجهة مرضٍ مميت يسمى الذئبة الحمراء، لكنها كانت تسافر بصحبة الأمل  “أريد أن نعود بسرعة بابا؛ لكي لا تفوتني الدراسة.. الامتحانات قريبة جدا” حدثتني باستمرار عن العودة، لا شيء غير ذلك في قلبها.
“مع دخولها العناية المركزة فارقت عيوني النوم، حتى الماء كنت أشربه بصعوبة. ابنتك تنازع الموت في الغربة وفواتير مالية تتضاعف بواقع 500 دينار عن كل يوم، كيف ستكون نهاية كل ذلك؟!”.
“أبلغني الطبيب بما لا أريد سماعه، دخلتُ ومسحتُ على رأسها ووجها”، كان رياض يريد أن يتحسس وجه ابنته بيان لكي تبقى ملامحها في يده، مسح على جفونها ووجنتيها وأنفها وشفاهها، قبل أن يقبلها القبلة الأخيرة.
سألته عن الأيام الصعبة التي عاشها بعد وصول فواتير علاجها لـ 30 ألف دينار واحتجاز المستشفى جثمانها، رفض الحديث عما واجهه ويواجهه اليوم من صعوبات مالية كبيرة أعرفها، قال لي “أنا ممتن لخليفة بن سلمان على موقفه الإنساني النبيل، إنه موقفٌ أصيلٌ سيبقى عالقا في الأذهان على مستوى الوطن”.
“عندما وجّهنا مناشدة عاجلة لمساعدتنا لإرجاع جثمان بيان، لم نكن نتوقع إلا استجابة سريعة من سمو رئيس الوزراء، لم يفاجئنا أبدا بتوجيهاته الكريمة”. في الحقيقة، لقد عكس التضامن الحكومي والأهلي مع أسرة رياض النجار صورة البحرين التي نعرفها... فلا أراها الله مكروها.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية