العدد 2729
الإثنين 04 أبريل 2016
لا بأس أن تأخذ الكتاب بقوة
الإثنين 04 أبريل 2016

يثبت البحرينيون مجدداً أنهم ليسوا جمهور “معرض الخريف” وحسب، بل وكذلك فهم شعب يُعنى بالثقافة، ولا أدري أأقول مثقفاً أم لا، ولكن ما شهدناه، لموسم متكرر في معرض البحرين الدولي للكتاب، وكذلك مهرجان الأيام الثقافي، يشير، بشكل واضح إلى أننا أمام جمهور نهم إلى حد بعيد بالكتب والقراءة.
على الرغم مما يبعث على الضيق لأول وهلة وأنت ترى هذه الأرتال من السيارات التي وقفت على الأرصفة الرملية على امتداد مئات الأمتار خارج متحف البحرين الوطني، لأنك ستدرك أن لا مكان محتمل لسيارتك، وتفكر في جميع السيناريوهات، والرجاءات التي ستبذلها للقائمين على تنظيم السير حتى يمكنك الاقتراب أكثر بسيارتك، وأنت ترسم سيناريو العودة بعد ساعتين (على الأقل من التطواف في المعرض) ويداك قد هدّهما التعب وتريد الوصول للارتماء على مقعد السيارة، كل هذا المشهد ينمحي إذ ترى الزاحفين على المعرض من الناس الذين يولّونك ظهورهم وهم يحثّون الخطى خفافاً، في مقابل من يقابلونك بأوجههم، مثقلين بالحروف والقراطيس والأكياس المنتفخة بما حوت من نفائس الأغذية الروحية والعقلية.
ما يفرح كثيراً، هذا التنوع العُمري، والفئوي، والمذهبي، والقبلي، والمناطقي، المجيء فرادى أو في مجاميع، صحبة كانوا أم أسرة، التواعد باللقاء في المعرض، ويصبح معرض الكتاب بأيامه العشرة محوراً وملتقى، تراهم وهم يقلبون الكتب، ويسألون عن عناوين ومؤلفين، البعض يأتي إلى المعرض بشكل يومي لا لشيء إنما ليلتقي بمن لم يرهم منذ زمن. البعض يأتي ليصوّر “سيلفي” في معرض الكتاب ويقول: “أنا مثقف”، لا بأس، فالتقرّب إلى الناس بالثقافة أفضل من غيرها من أنواع التقرب، والناس يعرفون ويعون من الحقيقي ممن لا بضاعة له، وبالتالي، فليفعل هذا الصنف ما يريد، ولكن ليحضر إلى المعرض. بعضهم يأتي ليعقد صداقات مع الناشرين لأنه على وشك إطلاق كتاب، ربما الأول، وربما واحداً من سلسلة كتب، لا بأس، فهذا سوق فيه البيع والشراء والعرض، وهل أجمل من هكذا بيوع؟! البعض يأتي وقد حدد ما يريد من عناوين، والبعض حاطب ليل يضع يده على أي كتاب، لا بأس أيضاً، فربَّ كتاب أخذت حياءً من البائع وأنت غير مقتنع لتجد نفسك في عوالم لم تكن تحسب أنك ستنفتح عليها، وربَّ كتابٍ كان ما قرأت عنه أفضل مما قرأت فيه. مقتني الكتاب لا يندم في الحالتين. بعض الحاضرين يريد سدّ فراغ في مكتبة منزله بكتب مذهّبة، لا بأس، على أمل أن يفتحها ذات يوم، أو يفتحها آخرون. لا بأس بأي حال أن يجد المرء نفسه مدفوعاً ليكون جزءاً من هذا المشهد الباهر، حتى وإن اعتورته النقائص، فهذا ما يمكن اجتيازه في الآتي من الأوقات بالتواصل والنصح والاقتراح، ولكن كل هذا لا يمكنه أن يخدش الجوهر الصلب الذي تأسس في وجدان الناس بعلاقتهم الحميمة بالكتاب.
ناشرون يشتكون من تسلط الإنترنت على الورق، بائعون يشتكون أنهم يهشّون الذباب ولا مشترين، دور نشر تقول إن المبيعات تذهب إلى الروايات وحسب، بينما أنواع أخرى من النتاجات لا مكان لها، مثقفون يرون أن القراءات باتت سطحية، قراء يرون أن القراءة باتت على السرير فقط قبيل النوم للتسلية، فمن ينكر أن هذا الزمان زمان الصورة والتفاعل سيكون من المخطئين، ومن يعتقد أن استمرار فعل القراءة وحده في هذا الزمان لا يعتبر استثناءً سيكون مخطئاً أيضاً، فهناك شدٌّ قوي ناحية “الترييش”، بأن يصبح الناس جميعاً كما الريش يطيّره الهواء متى ما هبّ، لا جذور لهم، لا قيم خاصة بهم، لا معتقدات يدافعون عنها، لا أوطان تعني شيئاً لهم، لا غضب من أي شيء فالغضب فعل همجي... يريدوننا أشباه بشر، ليس العرب والمسلمون وحسب، بل سائر البشر والأمم بما فيهم الغرب، إذ يجري التسطيح والتمزيق الفكري على أشده من أجل الفوز بأناس لا علاقة لهم إلا بأنفسهم، ولقمة يومهم، والتسلية أمام التلفاز، والإلهاء ببرامج الواقع، والمسابقات التي تثير غرائز الشهرة الجوفاء، وتحويل الاهتمام العام إلى الانحدار المستمر حتى يغدو من لا يشارك في هذا الفعل، ويندمج متخلفاً، أو متعصباً، فلقد أنهكت الشعوب وهي ترى أنفسها تُستلب، وإرادتها تقهر، وقدرتها على المقاومة تضعف، وقواها على النهوض والمواجهة تخور، ولكنها لا تستطيع وقف كل هذا، فليس أسوأ من أن ينزف الإنسان وهو يراقب موته البطيء. ليس أمام الأفراد والأمم إلا القراءة للمقاومة، والقراءة للتحدي، والقراءة لنفض الرأس على وسواس الإغراء الخناس باتخاذ أنعم السبل وأكثرها قدرة على ترهّل العقل وتسليم قياده لآخرين يظهرون على جميع قنوات التواصل والاتصال ليتحدثوا إلينا ونكتفي بالتلقي، برنامجاً وراء آخر، وصورا تظهر بسرعة، وكلاما لا يمكننا تبين أكثره، وتجرنا السرعة إلى السرعة، والصور تأخذ بأعناق الصور، فلا يمكننا التوقف للحظة للمناقشة، فلا وقت لتحريك العقل، وهو ما تفعله القراءة، سريعاً سريعاً سريعاً لينتهي اليوم ونحن محشوون بالمشاهد والألوان، لا فسحة للخيال، لا مجال للتحليق، لنصحو على مطحنة مماثلة في اليوم الآخر.
من هنا يأتي الفرح لرؤية المقاومين بالقراءة، القافزين فوق فخاخ التسلية المبالغ فيها حد السفه، الأفراد والجماعات التي تمازج الحياة بين هذا وذاك، وتقاوم... وتواصل. والفرح أكثر بالمداومين على مخاصرة الأمل بالمزيد من النتاجات الأدبية والفكرية والتاريخية والتعليمية وجميع حقول المعرفة من دون استثناء، ينكفئون مرات ومرات بمراراتهم الداخلية، ولكن احتفاءً بسيطاً يكون سكّرهم الذي به يواصلون. شدوٌ مستحَق لدور النشر التي تتبرم من المبيعات في المعارض وتواصل، تشارك في المعارض وتواصل، تشكو الأوراق والأحبار والآيباد والجودة والشحن، وتواصل، وللجهات المنظمة التي تشكو التقشف وضيق ذات اليد... وتواصل... ليس أمامنا جميعاً إلا أن نواصل.

التعليقات
captcha

2019 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية