لم تستطع الولايات المتحدة إقرار نظامها العالمي الجديد الذي بشر به بوش الأب مطلع التسعينات، والذي ظهر جليا الآن ان ذلك النظام لم تستطع اميركا ان تجعله عالميا ولا جديدا وأنه لم يسفر الا عن بعض النتائج المحدودة مثل سقوط آخر الانظمة التي ارادت ان تبقى على عنادها رغم سقوط مظلتها “الاتحاد السوفيتي” مثل نظامي صدام وميلوسوفيتش، وذلك الطموح الاميركي اسفر عن شبه انهيار اقتصادي اميركي اخرج اميركا من لعبة الأمم على يد اوباما الذي اختير لهذه الغاية، وإن السيطرة الاميركية في المنطقة العربية لم تكن وليدة ذلك النظام الذي لم تستطع اميركا اقراره انما هذه السيطرة ليست إلا تاكيدا لواقع كان موجودا قبل ذلك بنسبة عالية جدا.
النظام العالمي الآن شبه هلامي لم تتحدد له اضلاع ولا زوايا، فلأن النظام الذي أرادت اميركا اقراره على اساس الحروب والقوة العسكرية افلسها اقتصاديا لم تعد العسكرة وسيلة التنافس والقطبية في الاطار الاممي، ولان المنافسين الفعليين عالميا على اساس اقتصادي لا يعتمدون الاثارة ويفضلون العمل بصمت بعيدا عن المواجهة امثال الصين والمانيا واليابان يبدو العالم وكأنه بلا نظام عالمي وفي حالة استرخاء وتثاؤب، وإن كان ما يؤسس له حقيقة هو نظام عالمي اقتصادي متعدد الأقطاب.
وفي هذه الأثناء ونقصد الوقت الحاضر تضيع البوصلة في عالمنا العربي فالنظام العربي أو بمعنى ادق شبه النظام العربي الذي كان سائدا هو في طور التفكك والدخول الى مرحلة اللانظام، وليس ذلك الا انعكاسا لما هو عليه الوضع في العالم دوليا من حولنا، وما لم تع الاقطار العربية طبيعة النظام او اللانظام العالمي السائد الآن كمرحلة انتقالية بين نظامين فإن الأخطاء ستكون كبيرة جدا ومكلفة للغاية، فالاقليمي يتداخل مع العالمي الآن وعناصر القوة المحتملة للصراعات او المنافسات اقليميا الآن وفي الزمن القريب القادم لم يتم التعرف عليها بشكل كامل ومن يخسر ورقة حاسمة الآن بخطأ فادح منه لا يمكنه تدارك الأمر بعد فوات الأوان.
هنالك قوى على أرض الإقليم لا يمكن تجاهل وجودها وأطماعها في السيطرة وما لم تفهم الأمور عربيا بشكل عميق لمعرفة التوازنات وعدم التفريط في الأوراق او لمعرفة كيفية صنعها فإن الأخطاء لن تكون اقل من مستوى أنها اخطاء قاتلة.
عندما بدأت الأمور تتكشف عن سقوط وشيك للاتحاد السوفيتي أواخر الثمانينات جمعت الولايات المتحدة مفكرين للنظر فيما اذا كان هنالك حاجة الى عدو بدلا عن الاتحاد السوفيتي وبعد العصف الذهني توصلوا الى ضرورة وجود هذا العدو لكنهم لم يوافقوا على ان تكون المانيا هي العدو ولا اليابان ولا الصين وقالوا ما قالوا من كلام غير لائق بحق هؤلاء وان كان من طرح او من اقترح هذه الدول كان محقا لأن القوة الاقتصادية هي التي ستتحكم في نهايات الامور ولو في الوقت القريب نسبيا، لكنهم اتفقوا على ان يكون المد الاسلامي هو العدو لذلك صنعت فكرة الإرهاب الاسلامي وكانت الحرب على افغانستان، لكن ما لم يحسب حسابه عند من يمضي مع هذه القوى العالمية انهم يتعاملون مع مشاريع مثل الجبال الجليدية لا يرى منها الا الجزء اليسير ولو عرفوا كل تفاصيلها لماتوا كمدا وندما على الفور.