لما يحدث في أوكرانيا يبدو أننا صدرنا فكرا معينا من المنطقة العربية إلى أوروبا ودفعنا بالشعب الأوكراني أو جزء منه للنزول إلى الشارع والمطالبة بسقوط النظام، وفي هذا المقام ليس المهم في الحقيقة أحداث أوكرانيا بقدر أهمية المواقف الدولية من تلك الأحداث التي تنحصر في الموقف الروسي والموقف الأميركي الأوروبي الذي يوحي بعدم انتهاء العداء الشرقي الغربي أو الصراع بين الشرق والغرب الذي تحدث عنه أو عن انتهائه السيد “صموئيل هنتجتون” في كتابه صراع الحضارات، فما يحدث يوحي أنه كان على خطأ حين تحدث عن أفول ذلك الصراع وبروز صراع آخر بين الغرب وبعض دول آسيا كالصين والهند وكذلك بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية أو المسيحية والإسلام.
المضحك في الموضوع هو الموقف الأميركي من التدخل الروسي في الأحداث والوقوف مع النظام المستقيل أو المقال، فأميركا ترفض التدخل السوفيتي في الشأن المحلي الأوكراني وأن أوكرانيا دولة مستقلة لا يحق لروسيا التهديد بغزوها ونسيت ما فعلته خلال العقد الماضي بأفغانستان والعراق مع الفارق الكبير بين الحالتين، فأوكرانيا ملاصقة لروسيا وتتحكم في رئتها البحرية وطرف أسطولها البحري للبحر المتوسط، وأوكرانيا بها جزء كبير من الشعب من أصل روسي ودخول أوكرانيا للاتحاد الأوروبي يمثل عملية خنق لروسيا ثم إن جزءا كبيرا من الشعب الأوكراني ينتمي للكنيسة الأرثوذكسية إضافة إلى الكاثوليكية أو البروتستانتية بمعنى أنه منقسم طائفيا بين الشرق والغرب من الناحية الدينية أو المذهبية، كل تلك أمور تدفع بروسيا أو تجبرها للتدخل في الشأن الأوكراني حماية لمصالحها، مع أننا لسنا من المؤيدين لذلك ولكن الغريب هو الموقف الأميركي من كل ذلك وهي الدولة التي غزت دولا على بعد آلاف من الأميال منها ولم تمثل تهديدا لمصالحها ولا تربطها علاقة دينية بها ومع ذلك قامت بغزوها وتدميرها والتدخل المباشر والعسكري في شأنها ومع ذلك ترفض الفعل الأقل من جانب روسيا في أوكرانيا... أليس ذلك مضحكا؟
ما يحدث هناك ليس بعيدا عن التدخل الغربي منذ البداية وافتعال الأحداث وتركيبها كما هو الحال في الوطن العربي واستخدام المال ومؤسسات المجتمع المدني لإشعال نار الحراك الجماهيري، وهو كذلك ليس بعيدا عن الصراع الطائفي بين الكنائس المختلفة، وهو بالإضافة إلى ذلك صراع مصالح بين القوى الكبرى ومحاولة غربية لتقليم أظافر روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي السابق التي بدأت في الاستقرار مؤخرا ودخلت في عملية الصعود ومحاولة استعادة الدور السوفيتي والدخول كقوة كبرى وليس كتابع لأميركا والغرب، هذه المصالح هي التي منعت الدول الأوروبية من اتخاذ موقف علني للتدخل الروسي بسبب اعتمادها – أي أوروبا – على مصادر الطاقة الروسية، فهي تناهض الموقف الروسي وتدعم الموقف الأميركي ولكن على خجل.
شخصيا ربما أتعاطف مع الموقف الروسي في أوكرانيا ليس تأييدا لروسيا فقط كونها الدولة الوحيدة التي وقفت أيام الاتحاد السوفيتي مع القضايا العربية في وجه الولايات المتحدة، ونود لو عادت إلى ذلك الموقف المبدئي، ولكن بالإضافة إلى ذلك نحن على يقين بأن ما حدث ويحدث في أوكرانيا لا يمثل تحركا شعبيا ذاتيا من أجل الحرية كما يروج له الغرب، ولكننا نراه تحركا موجها ومدفوعا من قبل الولايات المتحدة الأميركية وتابعتها أوروبا واستغلالا لمبدأ الحرية والاستقلال لتحقيق مصالح غربية.
لقد ضاعت المبادئ في خضم المصالح، وباتت تلك المصالح تابعة للمبادئ وليس العكس، ودفعت بها لتباع وتشترى في سوق المصالح الدولية كسلعة تستغلها الدول الكبرى التي هيمنت على المنظمة الدولية وجعلتها عاجزة عن تحقيق المبادئ التي قامت عليها وكانت دول الغرب الاستعماري هي البادئة بكل ذلك لذا فلا حق لها في نقد الغير حين يقوم بما قامت وتقوم هي به.
فالحرية غدت سلعة والديمقراطية غدت سلعة والحقوق الإنسانية بمجملها غدت سلعة تستخدمها القوة وليس العكس.. أليس كذلك.. والله أعلم.