قد لا يكون الخلاف حول هذه النقطة – أي كتابة التعديلات الدستورية - بمستوى الخلاف حول بعض الأمور الأخرى ولكنه في كل الأحوال أوجد نوعا من الشقاق بين الأطراف المتحاورة، فموضوع صياغة أية تعديلات دستورية مقترحة أو يمكن التوافق حولها استدعى من قبل طرف من أطراف الحوار الطلب بإحالة هذا الموضوع إلى جهة أخرى غير طاولة الحوار، بل وصل الأمر به إلى طلب وجود جهة أجنبية دولية تقوم بتلك الصياغة – أي أميركية بمعنى أدق – ولكنها في صيغة دولية، وهذا الطرح استفز اطرافا أخرى وجدت فيه طلبا لفتح القضية المحلية للتدخل الأجنبي، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا من قبل أطراف ائتلاف الجمعيات السياسية الوطنية ومن ضمنها جمعية الوسط العربي التي أتشرف بالتعبير عن وجهة نظرها وأتحدث هنا بما تراه.
ربما يكون أحد أسباب الخلاف حول الموضوع هو فهم ماهية الدستور بالدرجة الأولى وماذا يعني قبل الخلاف على وضعه أو تعديله، فقد يراه البعض عبارة عن قانون أعلى للدولة أو النظام مما يجعل الحديث فيه صعبا على غير القانونيين إلى الدرجة التي يصعب عليهم فهمه وليس كتابته فقط، ويراه آخرون أنه عبارة عن مبادئ قانونية تضعها وتتفق عليها أطراف المجتمع وتعبير عن حالة المجتمع ذاته ورغبة منهم في بنائه وتحديد مستقبله، مما يعني أنه تعبير عن وثيقة سياسية اجتماعية قبل أن يكون وثيقة قانونية، وهذا يضع العبء في كتابة مضمونه على أطراف المجتمع الذي يمكن أن يحيلوه لجهة قانونية دستورية تضع صياغته القانونية وليس كتابته، والفرق كبير بين الحالتين.
ولكون الدستور يمثل تعبيرا عن حالة المجتمع بما له من تاريخ وموروثات وعادات وتقاليد ومتطلبات ومصالح ترتبط جميعها بالإنسان الذي هو المستفيد الأول والأخير من ذلك الدستور، فيتطلب أن يكون كاتبوه وصائغوه على درجة عالية من فهم ذلك المجتمع وفهم تلك الموروثات والتاريخ والمتطلبات الاجتماعية والسياسية لذلك المجتمع، بل فهم الإنسان الذي يخدمه ذلك الدستور ويحدد علاقته بالآخرين، وهذ بالتالي يعني صعوبة إحالة صياغته أو كتابته لغير تلك النوعية من البشر سواء من السياسيين أو القانونيين.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن إحالة الصياغة أو الكتابة للتعديلات الدستورية التي يمكن أن يتم التوافق عليها في الحوار لجهة أجنبية لا تفهم المجتمع المحلي ولا علاقة لها به تعني في المقام الأول بلا أدنى جدال أو شك فتح الباب لتدخل أجنبي في الشأن المحلي وهو ما يعني تمكين هذا التدخل من اللعب بين الأطراف المختلفة في المجتمع ودس السم في العسل لخلق حالة من الإرباك القانوني والمجتمعي تدفع بالمجتمع إلى المزيد من السيولة والاختلاف على المستقبل وهو الهدف المطلوب من أي تدخل أجنبي.
أضحت أطروحات المنظمات الدولية والحقوقية والإشراف الدولي ليست أكثر من غطاء تتستر عليه جميع الدسائس والمكائد التي يعمل عليها الغرب لوضع القيود على حركة الدول والمجتمعات الأخرى، فلا يتحدث أحد عن حيادية تلك المنظمات أو الجهات المنادية بحقوق الإنسان أو استقلالية الدول، والشواهد على تلك التدخلات وما آلت إليه ظاهرة بجلاء من حولنا ولكن فقط لمن يريد أن يرى ويفهم ويهتم بالمستقبل ويرنو إلى الاستقلال الحقيقي لا الشكلي أما غير أولئك وأعني بهم من لا يرون إلا تحت أقدامهم فإن الحديث معهم لا معنى له بل هو مضيعة للوقت ليس اكثر، لذلك قلت في بداية الحديث أنه موجه لمن يهمه الأمر في المقام الأول وأعني به المواطن الذي مازال ينتظر شيئا من وراء هذا الحوار... والله أعلم.