هي – أعني حرية الفكر والتعبير - إحدى الدلائل على ما كنا نتحدث عنه في المقالات الثلاثة السابقة التي منها نفهم أن الكثير من القوانين لا تتواءم وما يرد عادة في الدساتير الجميلة عن الحرية في صورتها العامة، فعلى سبيل المثال لا الحصر يتحدث الدستور عندنا عن كفالته لحرية التعبير والفكر وغيرها من الحريات الفردية، وهذه حريات لا تأتي من الفراغ بل تأتي من المطالعة والمتابعة لكل ما هو جديد وقديم في نفس الوقت، ومحاولة سبر أغوار الأفكار المختلفة التي منها ما ساد ثم باد ومنها ما هو قائم مستمر، وهي أمور لا تأتي للفرد من الفراغ أو يحلم بها ليلا ليطبقها في النهار، بل هي نتاج لقراءات كثيرة ومتعددة، قراءات مازال الكتاب يمثل أهم مصادرها على الإطلاق.
يضاف إلى ذلك حق المواطن في متابعة ما يصدر من دور النشر لفهم ما يدور حوله من أحداث ومستجدات حيث لا تكفي متابعة ذلك في الأخبار فالكتاب مازال يحتل الصدارة في كل ذلك، ومع ذلك نجد أن القوانين عندنا مازالت في واد بعيد عن كل ذلك ولا تتناسب ومواد الدستور الذي تتحدث مادته الثانية والعشرون على سبيل المثال في الباب الثالث (الحقوق والواجبات العامة) عن أن حرية الضمير مطلقة ثم تتحدث مادته الثالثة والعشرون عن كفالة حرية الرأي والتعبير والبحث العلمي ثم حرية الصحافة والطباعة والنشر في المادة التي تليها وكل تلك الحريات لا تأتي كما قلنا من فراغ ولكنها تتكون وتتراكم بالقراءة والاطلاع والمتابعة، وكل ذلك على ما أعتقد يكون في اقتناء الجديد من الإصدارات وما تنتجه المطابع في المجالات المختلفة ولكن الأمور عندنا وفي جماركنا يبدو أنها مختلفة نوعا ما أو حسب مزاج الموظف الذي تقع عنده واردات تلك الكتب وهو الذي يمكن أن يفرج عنها في وقتها أو يرسلها لوزارة الإعلام للتدقيق فيها – ربما – ومن ثم الإفراج عنها، أي أنه بمعنى أوضح عدم وجود حرية المطالعة أو تقييدها بالقانون وحسب رأي موظف ما هنا أو هناك وهو ما يختلف مع ما ورد في الدستور عن كل تلك الحريات.
لن نناقش دور موظفي الجمارك أو الإعلام المناط بهم ذلك ولا عن أهمية إعدادهم لمثل تلك الحالات والمستوى الذي يجب أن يكونوا عليه لاتخاذ قرار المنع او السماح لأن الأساس هو السماح لأي نوع من أنواع الكتب والمطبوعات بالدخول ولا تستطيع أية جهة حكومية في أية دولة من دول العالم اليوم، وليس عندنا فقط، أن تقف حائلا بين أية معلومة ووصولها للمواطن بعد أن صارت جميع المعلومات متوفرة بلمسة زر واحدة على الحاسب الآلي – لمن يعرف كيفية الوصول إليها -، وبمعنى أكثر وضوحا إن قوانين المنع والحضر أضحت بلا قيمة منذ أن بدأت الشبكة العنكبوتية في وضع كل تلك المعلومات – الجديدة والقديمة – على الشاشة الصغيرة وتحت يد كل من يتابع ويريد المعرفة.
هذا جانب، أما الجانب الآخر فإن ما نتحدث عنه – وهو ما حدث لي بالفعل مؤخرا حيث إن ما طلبته من كتب أرسلها موظف الجمارك الذي فتح الصندوق إلى وزارة الإعلام دون محاولة معرفة ماهيتها على الأقل مع أنها كتب قانون في مجملها ليس اكثر – لا يتناسب بالمطلق مع المبادئ العامة للحريات التي يتحدث عنها الجميع ويتحدث عنها الدستور ولا يتماشى والصورة التي يجب ان تكون عليها دولة القانون والحريات، لأن الحقيقة أنه لا وزارة الإعلام ولا الجمارك ولا حتى الأجهزة الأمنية المعنية، ليس عندنا فقط ولكن في أي مكان من هذه المعمورة، لا تستطيع حجب أي من المعلومات عن فكر وضمير الفرد إذا أراد الوصول إليها كونها كما قلنا متاحة بالكامل على الانترنت وتحت تصرف من يريد ولكن بعض القوانين عندنا تميل إلى التعقيد وليس التسهيل على المواطن.
ثم إذا أرادت هيئة الجمارك او غيرها منع شيء ما أو كتاب ما من الدخول فعليها إخضاع العاملين على ذلك للتأهيل الكافي والتدريب المناسب لجعلهم قادرين على الحكم في المكان والوقت المناسب إضافة إلى ضرورة وجود قائمة بما هو ممنوع وليس تحويل كل ما يرد لوزارة الإعلام حتى دون جرد، لأن معنى ذلك انه يجب إرسال كل شيء لوزارة الإعلام من البداية ولا داعي لمروره بالجمارك من الأساس.
ألم نقل من البداية أن نصوص الدساتير تقول شيئا والواقع او القوانين المكملة تقول آخر... والله أعلم.