يحق لنا بعد حديث أمس وأمس الأول أن نتساءل إن كان يوجد مجتمع لا نقول يملك مقومات المساواة والديمقراطية والحرية على شكلها الذي يريده أو يرتضيه الإنسان، ولكن هل يوجد مجتمع قريب من كل ذلك، مجتمع يحمل فيه الإنسان شعورا بأنه مثل غيره لا يتميز الغير عنه بشيء غير القدرة والمعرفة، يحلم فيه الفرد الإنسان انه على قدم المساواة مع غيره لا يميز ذلك الغير مال ورثه أو جمعه.
ثم هل هناك مجتمع يملك فيه المواطن بصورة عامة القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب وعند الحاجة؟ وحين يذهب هذا المواطن إلى صندوق الاقتراع وهو الصندوق الذي يترجم مفهوم الديمقراطية السياسية ويمارس من خلاله المواطن حريته هل يملك عند ذهابه لذلك الصندوق القدرة المناسبة على الاختيار البعيد عن أي تأثير خارجي يحدد له الاختيار؟
لا أظن أن هناك من يمكن أن يدعي وجود تلك الصور من الديمقراطية وحرية القرار لدى الإنسان، لأن الحقيقة ان هناك الكثير من القيود المرئية والخافية التي تدخل الرغبة والرهبة لدى المواطن الإنسان وتدفع به مرغما – مع أنه يعتقد اختيارا – لتحديد ما لا يريد او اختيار ما لا يرغب. وفي ظل مجتمع تقسمه الطبقات وتحتكر فئة محدودة القدرة المادية وتجلس على قمة الهرم الاقتصادي وبالتالي السياسي وتملك من خلال ذلك القدرة على إجبار الآخرين على فعل معين أو اتخاذ قرار معين في ظل المجتمع؟ وهل يملك المواطن حريته الحقيقية ويستطيع من خلالها التقرير إن كان مربوطا بقرار فوقي يتحكم في حياته بكل تفاصيلها في سكنه.. في وظيفته.. في حريته الشخصية.. بل حتى في تنقله من مكان إلى آخر، هل يكون بذلك قادرا على التقرير ومناقضة ما يريده، من يملك تلك القدرة على التحكم؟
يبدو أننا عدنا بأنفسنا إلى مجتمع الطبقات ونعيش في مجتمعات على شكل هرم وليته كان هرما حاد الزاوية عند الرأس بل هو هرم منفرج الزاوية عند الرأس بمعنى أن قاعدته عريضة جدا وتمثل الطبقات الدنيا في المجتمع أما رأسه فهو صغير ويمثل الطبقة الحاكمة اقتصاديا والمتحكمة في ذلك المجتمع، وهذه الطبقة القابعة فوق القمة بيدها المفاتيح التي بها تفتح ما تريد وتغلق ما لا تريد وتتحكم في حياة الطبقة الكبيرة القابعة في اسفل الهرم وهي الطبقة التي تكون مجبرة على الرضوخ لمن هم على القمة وتنفيذ الأوامر.
في كل دول العالم التي تتحدث عن الديمقراطية والحريات الشخصية وتنادي بها وتدعي الحرب على من يخالف تلك المبادئ، جميع تلك الدول نجد فيها ما يشبه عائلات تتحكم في جميع مفاصل الاقتصاد والحياة الاجتماعية، وهي ليست جميعها عائلات اجتماعية كما هي عندنا في الخليج والمنطقة بل يمكن ان تكون عائلات اقتصادية وسياسية تمثلها شركات كبرى عملاقة تملك القرار السياسي وتجبر السياسيين والأفراد على السير في طريق محدد ومرسوم تضعه تلك الشركات والعائلات بطريقة تسهل عملها وتسهل نموها اكثر واكثر وتبسط بها سيطرتها على المجتمع، وكل ذلك يتم من خلال القانون الذي وضع ليخدم هذا النمط من الحياة.
هذا لا يمنع وجود أجرام فلكية صغيرة تدور في فلك تلك العائلات والشركات وتقوم نيابة عنها بالأدوار (غير النظيفة) وتنتفع هي الأخرى بما يتم جنيه من خلال تلك الأعمال ولكنها هي ذاتها في نفس الوقت لا تملك القرار بل تسير في فلك مرسوم ومحدد يخدم في آخر الأمر الجهات المتحكمة في المجتمع.
النتيجة ان كل ذلك نتيجة للنمط أو النظام الاقتصادي غير الاجتماعي الذي ساد في السنوات الأخيرة ونحى جانبا كل ما له علاقة بالمجتمع وبسط الليبرالية التي أوصلت فئات معينة في المجتمعات المختلفة إلى مستوى الإمبريالية في سطوتها وتحكمها في الآخرين، وهذه الليبرالية الاقتصادية منعت الليبرالية الفردية أو السياسية من ان تتخذ دورها المحدد لها دستوريا وقانونيا وجعلت من تلك النصوص الدستورية بمثابة صورة جميلة توضع في برواز معين ينظر إليها الناس للاستمتاع فقط دون فائدة مادية... والله أعلم.