تتباهى دول كثيرة بتاريخها في الديمقراطية والحرية والمساواة وما يمكن أن ترى أو تعتقد أنها قدمته للبشرية في هذا المجال، وفي عصرنا الحديث تتحدث عن دساتيرها وما تحويه من حريات وما تعبر عنه أو تجسده من ممارسة ديمقراطية متاحة للجميع على قدم المساواة وتبالغ في شرح النصوص الدستورية التي تحوي كل ذلك والقوانين المكملة لها أو المنفذة لتلك النصوص، وتشمل الدساتير جميعها تقريبا أبوابا خاصة تتحدث عن الحريات العامة وتضع لها مقومات وأسسا تسير عليها وتضعها بالتالي في صورة مثالية تجعل من يقرأها مبهورا بتلك النصوص.
والحقيقة أن الديمقراطية والممارسة الديمقراطية والحرية والمساواة ليست أفكارا مجردة معزولة عن محيطها غير متأثرة بما حولها ومن حولها، بمعنى أن الإنسان لا يمسك بنص دستوري أو قانوني ويمارس من خلاله حريته والديمقراطية المنصوص عليها في ذلك النص أو القانون ويشعر بمساواته مع غيره وبالحرية في الفعل والقرار بعيدا عن عوامل أخرى كثيرة تؤثر في الممارسة وليس النص، حيث النصوص ليست أكثر من فكرة في عقل ما وقلم يترجم هذه الفكرة ويضعها في قالب معين ونص جميل، إلا أن ذلك لا يحقق كل تلك الأمور ولا يعني أن الديمقراطية أضحت حقيقة مجسدة على أرض الواقع.
كل المبادئ السامية لا يمكن تحقيقها إلا بتفاعل مشترك بين الكثير من العناصر في المجتمع ولا تتحقق إلا بتحقق تلك العناصر على أرض الواقع، فعلى سبيل المثال تكون الديمقراطية واقعا وحقيقة حين تتم ترجمة النص كما ورد على أرض الواقع وحين يستطيع من يريد ممارسة الديمقراطية أن يتخذ القرار الذي يراه مناسبا في الوقت الذي يراه مناسبا، وحين لا تكون هناك قيود مجتمعية تمنعه من تحقيق أو اتخاذ قراره بالصورة التي يراها وترضي طموحه، حينها يمكن القول بوجود نوع من الديمقراطية الحقيقية وأن النص الموجود في الدستور أو القانون بدأت ترجمته على أرض الواقع، أما حين يكون القرار مرتبطا بأمور أخرى لا علاقة لها بالنص ولكنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالواقع وتؤثر بصورة سلبية على القرار فإن الممارسة الديمقراطية تكون منقوصة أو مبتورة ويكون حينها النص الجميل لا ينطبق والواقع الأسود المرير.
حين يكون هناك قيد على القرار ويكون صاحب القرار مربوطا بذلك القيد سواء في معيشته وقدرته على توفير مقومات الحياة الطبيعية له ولمن حوله أو في حريته وتحلله من التأثيرات الخارجية وتتأثر بالتالي قدرته على اتخاذ قراره المناسب او حتى التفكير فيه، بل يملي ذلك القيد القرار بالكامل أو يوجه طريق السير في اتخاذه، حين يحدث ذلك وحين تحل القيود الحياتية محل القدرة الذاتية للإنسان فإننا نصل إلى وضع غير سوي تكون فيه الديمقراطية مجرد شكل خارج المضمون، وحينها يكون النص الديمقراطي الجميل نصا مظلوما بقيود الحياة، ومحاطا بصعوبات التطبيق الفعلي وتكون ترجمته غير صحيحة وركيكة.
في أوضاع مثل هذه تكون الديمقراطية مظلومة بالفعل، فالكل يتحدث عنها وعن الدستور الذي ينص عليها والقوانين التي تفسرها، ولكنها في الواقع تكون محجوبة عن الفرد الإنسان رغم أنها وضعت لخدمته وتسهيل حياته ومساعدته على اتخاذ القرار الذي يراه في الوقت الذي يراه.
بنظرة سريعة وغير منحازة إلى أي مكان او بلد، يصعب على المتابع القول بوجود الديمقراطية الحقيقية التي نصت عليها الدساتير الجميلة التي كتبت فيها او وضعتها شعارا لها، فلا يوجد في الحقيقة مكان يمارس الديمقراطية التي ينشدها الإنسان... الإنسان الشقي في حقيقته وليس السعيد كما يريد هو أن يكون او يراد له أن يكون... لذلك قلنا في البداية ان الديمقراطية مظلومة لأن الكل يتحدث عنها ويريدها ولكن الواقع ينفيها ويبعدها... والله أعلم.