اليوم تمر الذكرى الثالثة عشرة للتصويت على ميثاق العمل الوطني وبالتالي صدوره، وهي الذكرى أو التاريخ التي بدأ فيه العمل السياسي العلني المشروع في المملكة، وهو العمل الذي تغير واختلف عنه قبل الميثاق، فأصبحنا بين حقبتين من العمل السياسي، قبل الميثاق وبعده، وفي هاتين الحقبتين اختلفت الكثير من المفاهيم والمواقف في ما يخص العمل السياسي، وغدا العمل السياسي مختلفا عنه في السابق.
كان العمل السياسي قبل الميثاق محصورا في تيارات معينة تمارسه بعيدا عن الساحة الحقيقية له، وكانت الحركة الطلابية في سبعينات القرن الماضي أحد أهم روافد ذلك العمل وأهم عوامل بنائه ووسيلة التثقيف الوحيدة المتاحة لمن يريد ممارسته، إضافة بالطبع للتيارات التي كانت تعمل تحت الأرض، مع أن العمل تحت الأرض من الصعب أن نطلق عليه عملا سياسيا بقدر ما هو نوع من الأعمال الوطنية عند من كان يمارسها ويعتقد أنه يستطيع من خلالها تحقيق المطالب الوطنية للجمهور، ومع ذلك لم تتحقق أي من تلك الأمور، والحسنة الوحيدة والكبيرة له ربما تكون إنتاج فئة محدودة من البشر القادرين على الممارسة السياسية والذين تسلموا قيادة العمل السياسي بعد الانفتاح وصدور الميثاق وفتح الباب لمن يريد العمل بصورة علنية وشرعية.
لقد أحدث الميثاق نقلة نوعية في أسلوب ممارسة العمل السياسي، والذي كان قبل الميثاق سريا محصورا في أفراد عدة يمارسونه بعيدا عن الرقابة وبصورة سرية وفي خشية من الآخر جعلت الممارسة السياسية محصورة في فئة معينة محدودة العدد، ومحظورة على باقي مكونات المجتمع، فكان التطور في ذلك العمل بالتالي بطيئا والمشاركة محدودة، ولم ينتج العمل لتلك الأسباب ما هو مطلوب منه من مشاركة سياسية واسعة من أفراد الشعب، أما بصدور ميثاق العمل الوطني والانفتاح السياسي الذي أعقبه، فقد غدت الممارسة السياسية علنية متاحة للجميع ومشروعة يستطيع من خلالها التعبير عن رأيه بكل حرية.
هذه العلنية في الممارسة السياسية أوجدت حتى الآن ربما جيلا من الشباب الممارس للسياسة والمتفهم لأسلوب العمل السياسي الحديث بعيدا عن الرهبة والخوف الذي كان كامنا في السابق داخل كل من يفكر سياسيا أو يمارس السياسة التي كانت غير متوفرة في المجتمع البحريني، فالعلنية يراها الكثيرون من أهم مقومات العمل السياسي والبانية أو المساهمة في تطوير هذا العمل والدافعة للمشاركة في صناعة القرار الوطني، وعلى العكس من ذلك، فإن السرية في العمل السياسي تحجب ذلك التطور وتقلل من القدرة المجتمعية على المساهمة في صنع القرار السياسي، فيكون المجتمع معاقا سياسيا وتنحصر صناعة القرار بالتالي على فئة محدودة من البشر قد لا تكون قادرة على تلك الصناعة.
لقد كان التصويت على ميثاق العمل الوطني منذ ثلاثة عشر عاما أحد أهم مقومات التوحد الوطني وداعما لتلك الوحدة عندما اتفق المجتمع بأسره - إلا فئة محدودة وغير مؤثرة صوتت بلا - على مفاهيم معينة لمستقبل العمل السياسي والديمقراطي في المملكة، وعبر بالتالي عن صورة جميلة من صور الوحدة الوطنية التي من المهم أن يقوم عليها المجتمع، والتي تأثرت - أي الوحدة الوطنية - مؤخرا بأحداث بعيدة عنها فقد توافق المجتمع حينها على أهداف ومطالب، وسعى الجميع بعد ذلك للدخول في العملية السياسية لتحقيقها خدمة للمجتمع ورغبة في المساهمة في بناء المستقبل للوطن والمواطن.
والغريب أن هذه المناسبة كانت كما قلنا منذ ثلاثة عشر عاما صورة جميلة للوحدة، هي ذاتها صارت المناسبة التي هدمت فيها الوحدة الوطنية مؤخرا وفرقت المجتمع أو مزقته، فكيف كان ذلك..؟