وجود أهل الثقة في الكثير من المواقع العامة وجهات اتخاذ القرار قد – ونقول قد – يكون مفيدا في الحالات الاستثنائية – مع ذلك فإن هناك حالات استثنائية تتناقض مع هذا المبدأ – ولكن مع ذلك يمكن التجاوز والقول بقبول هذا المبدأ في بعض من تلك الحالات، أما في الحالات العادية حين يكون الاستقرار هو الأمر الطبيعي فإن التأكيد على وجود أهل الثقة فقط ونبذ أو استبعاد أهل الخبرة والمعرفة والانتماء والوطنية يحمل بداخله الكثير من الشبهات أولها الفساد بحجب المناصب والوظائف عن المستحق ومنحها لمن لا يستحقها لقربه أو لنوعية فكره أو... ثم اللاوطنية واللاانتماء كون المصلحة الوطنية تنتفي بهذه النوعية من الأفعال وتحل محلها الحزبية والعائلة أو القرابة، وغير ذلك من المفاهيم المرفوضة مجتمعيا وهي تؤدي في نفس الوقت إلى نوع من الترهل في المواقع والمؤسسات الوطنية وضعف في القرار وتردد في اتخاذه يؤدي بدوره إلى أن تحيد تلك المؤسسات عن الطريق الصحيح المفترض وجوده لدى تلك المواقع وتنتفي بذلك رسالتها الوطنية لتحل محلها رسالة حزبية.
المشكلة الأكبر تظهر حين يكون التقسيم القائم على وجود أهل الثقة أو العلاقة في المجتمع في ظل وجود تيارات مختلفة يموج بها المجتمع الذي تكون مؤسساته بمثابة غنيمة تحوز عليها تلك التيارات وتنقسم الولاءات في أجزاء الدولة ليس للوطن بقدر ما هي لتيار معين سواء كان ذلك التيار من هنا أو هناك وإذا كان ذلك يحدث في الجهات الخدمية فإن الخدمة تنجز بسرعة غير طبيعية لمنتمي التيار المهيمن وتحجب أو تعرقل عندما يكون صاحبها من غير أولئك المنتمين، وتستفحل المشكلة حين تكون تلك التيارات “أو بعضها” تحمل انتماء بعيدا عن الوطنية، وتسيطر من خلال ذلك الفكر والتوجه، على مؤسسات معينة، ونصل بالتالي إلى مؤسسات ومواقع قرار لا ترى الوطن ولا مصالحه أو مبادءه بل تنظر إلى العالمية في جميع أعمالها وتنظر إلى فكر التيار في اعتقاد خاطئ بتمازج النظرتين وان التيار يخدم الوطن، والعمل الذي نحن بصدده فيه خدمة للوطن ومبادئه، ولكن ما الذي يحدث حين تتعارض المصالح – الوطن والتيار – أية مصلحة سيتم تقديمها... حبذا لو تبرع أحد ما بتقديم الإجابة التي نعرفها ويعرفها الجميع فلا داعي لذكرها الآن على الأقل.
ولو قمنا بالتركيز أكثر محليا وفي دولتنا الصغيرة فإننا نرى تقسيمات واضحة للمناصب بل للوزارات والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية إلى الدرجة التي يراها ويفهمها المواطن العادي البسيط وليس المثقف أو المتابع، بمعنى أنها باتت واضحة لا تحتاج لبحث أو تنقيب – فالبلد أصغر من البحث والتنقيب – والوضوح هو الآخر يخرق العين كما يقال، فقد بات المواطن والمتابع يسم جهات معينة بأن السيطرة فيها للجهة (س) على سبيل المثال والجهة الأخرى تتبع الجهة (ا) والجهة الثالثة تتبع (و) – وهذه مجرد رموز لا تعني شيئا ونضعها للتوضيح ليس إلا - المهم أن بعض وزارات الدولة وشركاتها وهيئاتها تقسمت وبإرادة الدولة إلى تيارات وأحزاب بعينها وهي مستمرة في هذا التقسيم وتمكين ذلك التقسيم أكثر وأكثر والخاسر في ذلك المواطن العادي اللامنتمي لأي من تلك التيارات ولكن له حق في الدولة كما لغيره إنما حصوله على ذلك الحق يبتعد في الكثير من الأحيان ليستولي عليه غيره من المنتمين.
هذا ما يطلق عليه نوع من التمييز الرسمي المنبوذ والطارد للكفاءات والمعيق للإنتاجية والتطور والنافي أو المانع للاستقرار وهو التمييز الذي يحدث فرزا لا وطنيا في المجتمع وهو من نتائج الأعمال الذاتية غير الوطنية... والله أعلم.