لو قمنا بعملية جرد بسيطة لنتاج الحركات الشعبية “الثورات” التي سادت الشارع العربي منذ نهاية 2010 وحتى الآن لوجدنا أن الإنسان العربي قد يكون هو الخاسر الأكبر حتى الآن في تلك الحركات وأنه ربما يدفع ثمن تلك الحركات من حاضره ومستقبله إن لم يبدأ في التدخل القوي وتقويم مسار ثوراته ووضعها على الطريق الإنساني الصحيح.
ففي تونس استولت حركة النهضة “جماعة الإخوان التونسية” على الثورة وأهملت المواطن العربي التونسي واستفردت بالقرار فتحرك الشعب من جديد وإن كان بقوة أقل من تحركه السابق ولكنه أحس بأن ثورته تسرق منه وأن السلطة تهمله من أجل ذاتها وتنظيمها، وانخفض الدخل الفردي مما أدى إلى تردي الحالة الاجتماعية في تونس وزيادة البطالة التي كانت من أسباب الثورة وتردت الحالة الأمنية وتعرض الكثير من قادة الثورة المختلفين فكريا وهدفا مع حركة النهضة للاغتيال والتصفية دون معرفة الفاعل ومازالت تونس تعاني من ذلك حتى الآن والخاسر الأكبر في كل ذلك هو المواطن العربي التونسي.
وفي مصر حدث الأمر ذاته ولكن بصورة أشد وأوضح حين قفزت حركة أو جماعة الإخوان إلى السلطة بسبب قوتها التنظيمية والدعم غير الطبيعي الذي حصلت عليه من خارج حدود مصر ولكن الشعب هناك كان واعيا لما حدث ومعه جيش مصر الذي ربما علم بجميع مخططات الجماعة قبل وبعد استيلائها على السلطة فتحرك الشعب بقوة تفوق ما حدث في تونس وأسقط الجماعة في ثورة جديدة أو موجة ثورية ثانية ولكنه خلال ذلك فقد الكثير اجتماعيا واقتصاديا وتردت الحالة الأمنية في مصر خصوصا بعد الثورة الثانية ووصل الاقتصاد إلى حالة يمكن أن تكون مزرية وانخفض الدخل الفردي كثيرا وعانت الميزانية فيها من عجز كبير، والخاسر الأكبر كذلك هو المواطن العربي المصري الذي يحاول الآن بعد تدخله بقوة في مسار الثورة أن يعيد الأمور إلى نصابها الثوري الصحيح.
المصيبة الأكبر كانت في ثلاث دول أخرى هي ليبيا وسوريا واليمن وهي دول عانت من التدخل الخارجي الواضح والرسمي وتحولت إلى ما يشبه دولا وليس دولة بالمعنى الصحيح، فقد تحولت ليبيا إلى ما يشبه مجموعات مسلحة تحكم البلاد أو بقايا البلاد بل تحولت ليبيا البلد الواحد إلى أربعين دولة (حسب كلام الليبيين أنفسهم) وتفتت الدولة الواحدة وضاع قرارها الوطني المركزي والسبب في ذلك أنها في حقيقتها ربما لم تكن ثورة شعبية بل كانت حركات مسلحة مدعومة من الخارج، بل وصل الأمر إلى التدخل المباشر من ذلك الخارج الذي دفع تفتيت الدولة وتحويلها إلى كانتونات متناحرة وانعدم الأمن في ليبيا حتى للمسؤولين فيها إلى درجة اختطاف رئيس وزرائها كما حدث، وأصبح المواطن يخشى على ذاته أكثر بكثير من خشيته عليها أيام النظام السابق، والخاسر الأكبر كذلك في ما حدث هو المواطن العربي الليبي.
واليمن لم تبتعد كثيرا عن ذلك بل مازالت تعاني من الحروب الداخلية وعدم الاستقرار بالرغم من الحوار الوطني الذي جرى فيها والانتخابات الرئاسية التي حدثت كذلك ولكن الأمن تلاشى كثيرا والحركات الانفصالية استشرت ووصلت إلى الحرب الحقيقية على الأرض يقودها الحوثيون الذين اقتربوا كثيرا من العاصمة مؤخرا، وكل ذلك أدى إلى تردي الحالة الأمنية فيها وانخفاض الحالة الاقتصادية للبلد والمواطن ونعود للقول إن الخاسر الأكبر في كل ذلك هو المواطن العربي اليمني.
أما سوريا فضاعت الدولة حتى قبل سقوط النظام فيها واختلط الحابل بالنابل فيها وتقسمت مقدما إلى عدد من الدول وتشرد أهلها في الدول المجاورة وعانوا من سكن الخيام وكأنهم لاجئون في بلدهم ووصل بهم الحال إلى طلب العون والمساعدات الإنسانية من أشقائهم وأصدقائهم وتدمرت سويا وانتشر فيها الخراب وضاعت بنيتها التحتية وأضحت بحاجة للمليارات لإعادتها إلى ما كانت عليه قبل (الثورة) التي سرقت من الشارع السوري وتحولت إلى حروب داخلية وليست حربا واحدة وضاع فيها المواطن العربي السوري الذي أضحى هو الآخر الخاسر الأكبر في ما حدث.
باختصار إن كل ما حدث أدى إلى خسارة كبيرة عانى منها المواطن العربي في تلك المواقع ووصل به الحال إلى التغني بما سبق خوفا مما هو عليه الآن ومن المستقبل الذي ينتظره بعد أن تضع الحروب الداخلية أوزارها، فقط الشعب المصري ومعه نوعا ما الشعب التونسي وعيا بسرعة لما يمكن أن يحاك ضد بلدهما وتحركا بقوة في مصر وشبه قوة في تونس وحاولا ومازالا يحاولان منع التدهور وإنقاذ البلد مما يحاك ضده... والله أعلم.