خلال يوم ما في الأسبوع الحالي كنت في أحد المراكز الصحية صباحا، حوالي التاسعة، أطلب الدخول إلى طبيب الأسنان فكان الجواب انني متأخر كثيرا وعلي العودة في الرابعة والنصف مساء، عدت حوالي الرابعة والنصف فوجدت نوعا من الاعتصام عند باب المركز والباب مغلق، حيث يفتتح الساعة الخامسة، فقد كان العدد يزيد على الثلاثين فردا، كبارا وصغارا، وجميعهم يريدون معالجة أسنانهم.
إذا أردت يا مواطن ان ترى طبيب الأسنان فما عليك سوى الحضور بما لا يقل عن نصف ساعة قبل فتح الأبواب سواء في الصباح أو المساء لتتمكن من الحصول على موعد للعلاج بغض النظر عما إذا كانت الحالة طارئة أو عادية فما فهمته من الطبيب هو عدم وجود قضية العلاج الطارئ في قسم الأسنان، وما رأيته من تكدس للمراجعين عند الباب يعطي صورة مهينة للمواطن الإنسان الذي يجد نفسه بين خيارين لا ثالث لهما، إما أن يتحمل هذا النوع من الإهانة له كإنسان والوقوف في الشارع أمام الباب كي يتمكن من الحصول على علاج، أو أن يذهب إلى العيادات الخاصة ليدفع أكثر من نصف راتبه أحيانا لعلاج أسنانه والتخلص من الألم الذي يحسه.
هذا الأمر ليس بالجديد فهو على هذه الحال منذ سنوات كما فهمت، أي أن المشكلة التي تعاني منها المراكز الصحية في قسم الأسنان قديمة ومع ذلك لم يتم إيجاد حل لها للتخفيف على المواطن الإنسان الذي له الحق في العلاج المجاني كما نعرف... لماذا؟
لو تحدثنا عن المشكلة الإسكانية لوجدنا الجواب في عدم توفر الموارد المالية والأراضي الكافية، ومع أن ذلك غير صحيح ولكن يمكن قبوله رغما عنا مؤقتا، ولو تحدثنا عن الهبوط المستمر في الدخل عند المواطن والبطء في رفع الرواتب لوجدنا نفس الجواب وهو قلة الموارد وزيادة المديونية، ومع أن ذلك غير صحيح ولكن يمكن قبوله رغما عنا مؤقتا كذلك، ولكن مشكلة صغيرة مثل قسم الأسنان في المراكز الصحية لا أظن أنها توازي المشكلة الإسكانية أو زيادة الرواتب أو أية مشكلة كبرى مزمنة نعيشها في مجتمعنا، فعلى حسب فهمنا هي قضية بسيطة يمكن حلها خلال أشهر قليلة على أكثر تقدير... فمن المسؤول عن جعلها مشكلة مزمنة حتى الآن؟ هل وزارة الصحة أم ديوان الخدمة المدنية أم وزارة المالية، حيث ان الأطراف تتشابك أحيانا وكل جهة تلقي اللوم على الأخرى والضائع في خضم هذا هو المواطن المغلوب على أمره الذي عليه أن يتحمل الألم والإهانة ويجلس في الشارع لمدة نصف ساعة صباحا أو مساء ليحصل على دور، ورؤية الطبيب المعالج أو أن يصرف معظم دخله في العيادات الخاصة، الأمران مر في تقديرنا.
لو سأل سائل وزارة الصحة عن الأمر لقيل له إن الوزارة طالبت كثيرا بزيادة عدد الأطباء للتخفيف من تكدس المرضى ولكن ديوان الخدمة المدنية يرفض باستمرار لعدم وجود شواغر في الكادر المقر وأن على الوزارة تعديل الكادر الحالي، ولو سألنا ديوان الخدمة المدنية عن السبب لقال إن الميزانية المرصودة للكادر لا تكفي ووزارة المالية ترفض زيادة الميزانية المخصصة لذلك، ولو سألنا وزارة المالية لقيل لنا إنه من الصعب زيادة الميزانية لعدم وجود موارد كافية لذلك فنعود من جديد للموارد المالية مع أن جميع من يمر به القرار في جميع تلك الجهات ربما لا يذهب للمراكز الصحية بل يتوجه للعيادات الخاصة لوجود مورد كاف عنده أو تأمين صحي مناسب وهو ما يعني عدم توفر الشعور لديه بما يعانيه المواطن العادي في هذا الجانب.
لا نريد توجيه اللوم لجهة من الجهات السابقة في هذا الموضوع لأن المشكلة لن تحل بتوجيه لوم لجهة أو أخرى ولكن اللوم يوجه هنا لنا كمواطنين على سكوتنا على كل ذلك، فسكوتنا على الأمور الصغيرة (مثل هذه الحالة) يعني أننا سنسكت على أمور أكبر منها وبالتالي نضيع حقوقنا بأيدينا... والله أعلم.