لا شأن لي بالحديث عن المجلس العلمائي الذي صدر حكم قضائي بحله مؤخرا، بل ليس من حقي التدخل في هذا الأمر كونه حكما قضائيا مستقلا يحق لمن صدر بحقه إما التظلم أو رفع درجة التقاضي والاستئناف إن كان هناك مجال للاستئناف ليستعيد حقه إن كان يرى أن له حق قد اغتصب، ولكن ما يهمني في هذا السياق هو الشكل المجتمعي الذي يمثله المجلس العلمائي وغيره من الجهات الرسمية وغير الرسمية من مؤسسات المجتمع المدني التي تجسد او تريد تجسيد أمر في المجتمع كنا قد دعونا من قبل ومازلنا ندعو لأن يأخذ طريقه للزوال والانتفاء من المجتمع المحلي.
الحقيقة أنه لا توجد جهة حكومية رسمية أو غير حكومية مستقلة يمكن أن تحمل صفة القداسة المانعة للقانون من التدخل فيها وإبداء الرأي حولها وحول قانونيتها وشرعيتها من عدمها، والدولة بجميع سلطاتها قسمها الدستور إلى ثلاثة أقسام لا غير، وهي التنفيذية والتشريعية والقضائية وليست هناك أية سلطة أخرى ومع ذلك يحق لكل سلطة من السلطات المذكورة التدخل في شؤون السلطتين الأخرتين بالطريقة التي حددها الدستور سواء بالتشريع أو الحكم بعدم دستورية السلطة التشريعية أو التحقيق في عمل السلطة التنفيذية أو حل البرلمان أو الحكم بخطأ فعل تنفيذي على سبيل المثال لا الحصر وهو ما يعني عدم وجود أية جهة في الدولة ونظامها تحمل صفة التجرد والقداسة والعلو على سلطات الدولة التي يمثلها القانون، ثم إن وجود جهة تحمل صفة الدين تعني أن يقبل المجتمع الصبغة الدينية لذاته ونظامه وهو أمر غير مقبول خصوصا في المجتمع البحريني المنقسم أصلا والمعرض للتفتت بسبب تركيبته وما تموج به من أحداث طائفية.
لو كان لمن يدين بالمذهب الجعفري أن ينشئ هيئة دينية تمارس العمل الديني بعيدا عن الدولة وفوق قانونها ثم قامت على الجهة الأخرى هيئة مشابهة لمن يدين بالمذهب السني تمارس الفعل ذاته في المجتمع لأصبح هذا المجتمع منقسما بالقانون ولعمت الفوضى دواخله وانتفت سلطة الدولة وقانونها على المواطنين واتجه كل مواطن إلى الجهة الدينية التي تمثله خصوصا إذا فهمنا قيمة الدين عند المواطن البحريني والتدين الذي عليه هذا المواطن، وهذا ما دفعنا ومازال يدفعنا إلى القول بإبعاد الدين عن السياسة وعن الدولة الرسمية لمنع الانقسام والتجزئة، ولكن هذا الحكم ليس كافيا لإبعاد شبهة الطائفية عن المجتمع وبالتالي توحيده حيث إن ذلك موجود رسميا وبالقانون وللأسف الشديد في مواقع كثيرة.
هذا الحكم يجب أن يمثل خطوة أولى ومهمة في طريق نزع التفرقة الطائفية بين المواطنين (ولا نقول الفرقة بينهم) في المواقع الأخرى، من المهم أن يزول شيء اسمه مجلس الأوقاف السنية ومجلس الأوقاف الجعفرية لتحل بدلا منهما هيئة أوقاف واحدة تهتم بالوقف الإسلامي على كامل تراب الوطن وتمارس عملها في استغلال الأوقاف في الجهة التي حددها الشرع والقانون ولا تهم تركيبة هذا المجلس بل المهم عمله، فالصورة التي عليها هيئات الأوقاف حاليا هي صورة مزروعة في مجتمعنا من أيام الاستعمار البريطاني الذي كان أحد أهم أهدافه هو تقسيم المجتمع ونزع الوحدة من داخله.
الأمر ذاته ينطبق على القضاء الشرعي، حيث ليس هناك داع لمحاكم وقضاء سني ومعها قضاء ومحاكم جعفرية خصوصا مع وجود سلطة تشريعية قادرة على أن تسن تشريعا ينظم عمل تلك المحاكم وينظم أحكامها لتكون نابعة من مظلة الدين الواحد مع أنه للأسف الشديد رأينا قانونين لنفس الموضوع في تقسيم تشريعي للمجتمع، فالأمر الصحيح هو وجود قانون واحد ومحاكم واحدة تضم من بين من تضم من قضاتها قضاة يدينون بأي من المذهبين ويصدرون أحكامهم طبقا لقانون واحد سنته السلطة التشريعية بعيدا عن جهات تحمل صفة الدين وتضفي نوعا من القداسة على عملها، ومع ذلك نجد مشكلة أخرى وهو أن هذا التفريق وصل للأسف الشديد إلى مؤسسات المجتمع المدني وحتى السياسية منها في نفس الوقت في تبعية واضحة لما نتحدث عنه في هذه العجالة.
نريد توحيد المجتمع بالقانون قبل غيره ونريد نزع الفرقة بين المواطنين ودفعهم للتعامل مع جهة وطنية واحدة في جميع أمورهم كما يحدث في الخدمات المختلفة، أما الحال بهذه الصورة التي نحن فيها الآن فذلك أمر مرفوض لأنه يجسد التقسيم ويهد من قوة المجتمع الذي نريده قويا بمن فيه.. والله أعلم.