بالأمس مرت ثلاثة أعوام على انطلاق الثورة العربية المصرية ويبدو أن هذه الثورة مازالت في بدايتها وتعاود الانطلاق من جديد في نفس الثوب الذي بدأت به عام 2011 ولم تغيرها الأحداث التي مر بها الشعب العربي المصري طوال الأعوام الثلاثة التي كادت أن تعصف بوحدته الوطنية وتحول أرضه إلى مرتع للإرهاب الدولي وتقسمها إلى أجزاء متناحرة، وهذا ما دفع الشعب لابتداع فكرة “تمرد” كوسيلة ينقذ بها ذاته وأرضه مما تم التخطيط له.
ما أراه في هذا البلد العربي اليوم وفي زيارتي الحالية له غير ما رأيته طوال الأعوام الماضية التي كنت فيها هنا، فقد تعدت تلك الزيارات العشرات مضافة إليها السنوات التي تخللتها الدراسة والإقامة في مصر ولكن طوال تلك السنين وفي عهود مختلفة بدأت بعهد رئيسها “أنور السادات” في بداية معرفتي بها وحتى نهاية الدراسة ثم زرتها مرات عديدة وكان فيها حسني مبارك هو الرئيس والنظام ثم زرتها أثناء تولي المجلس العسكري السابق إدارتها بعد ثورة 25 يناير وزرتها بعد ذلك حين كانت جماعة الإخوان تهيمن عليها وتحاول سرقتها وأزورها اليوم بعد أن زالت كل تلك الأنظمة وبدأ الشروع في نظام جديد آملا أن يكون مختلفا عن كل ما سبقه من أنظمة ابتعدت بمصر عن ذاتها وعن محيطها وحطت من قيمة الانسان المصري وحولت الشعب العربي في مصر من قائد إلى تابع ومن دولة تعطي إلى دولة تطلب.
حين نسير في شوارع مصر اليوم يصيبنا للوهلة الأولى الحزن على ما وصل بها الحال.. مصر الحية ليلا ونهارا يبدو عليها الخمول.. مصر المزدحمة في كل الأوقات خصوصا في أسواقها حيث تعاني عند السير على شوارعها تبدو خالية إلا من أفراد في أماكن متفرقة.. فنادقها شبه خالية.. أسواقها تشكو من قلة العمل والنزلاء، ولكننا على الجانب الآخر نرى حياة أخرى تدب في هذا الشعب تجعله متجاوبا مع كل شيء وأحيانا رافضا للكثير... شعب نزع منه التردد والتقوقع وأزال من أمامه حاجزا من الخوف جثم على صدره أكثر من أربعين عاما، على الجانب الآخر ترى نشاطا مختلفا لم يكن موجودا في تلك السنين الغابرة التي نرجو ألا تعود من جديد، الجانب الثقافي الحقيقي بدأ في الحراك بطريقة تختلف عن تلك القشرية التي كان عليها قبل الثلاثين من يونيو الماضي.
مصر تغيرت أو على أقل تقدير بدأت في التغير إلى الأفضل ونرى ذلك حتى في الأغاني التي نسمعها في الشارع، فقد تقلصت تلك الأغاني الهابطة التي كانت تنتشر في الشوارع والمحلات وسيارات الأجرة وعادت إليها روح الأغنية الوطنية الجادة أو بدأت تعود من جديد، حتى السائلين (الشحاتين) تقلصت أعدادهم بصورة ملفتة للنظر مع أنهم مازالوا موجودين.
المنطق يقول إن التغير لا يحدث بين يوم وليلة ولا بصورة مفاجئة خصوصا حين يطال التغيير الشعوب والأمم ولكن علاماته تكون ظاهرة وبينة لمن يتابع ويريد أن يعرف وبالذات عند من يعيش الحال ذاته ويهتم بذلك الحال، وهو ما يجعلنا نفهم الصورة القاتمة التي قلناها في البداية وهي نتاج كل تلك السنوات التي مرت على الشعب العربي المصري منذ بدأ ما أطلق عليه الانفتاح الاقتصادي وتحول النظام من نظام شعبي وطني إلى نظام رأسمالي وأمني في نفس الوقت وزاد من ذلك التأثير العنف التي اختطته الجماعة ومن معها كوسيلة للإرهاب والتخويف من أجل العودة إلى السلطة مع أن ذلك أصبح شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلا بالفعل وبدا ذلك واضحا من ردود الفعل لدى الناس الذين نراهم في الشوارع ويتحدثون بتلقائية وليس نتاج خوف كما كان الحال سابقا.
ما نراه أن مصر العربية بدأت تضع القدم على طريق العودة من جديد، العودة إلى المواطن المصري والعربي بعد أن أبعدتها الأنظمة السابقة، العودة إلى الأمة التي افتقد كل منهما الآخر واشتاق كل منهما للآخر، العودة إلى الطريق العربي بعد أن وضعتها الأنظمة السابقة على طريق الغير... والله أعلم