الديمقراطية أسلوب ممارسة في حياة البشر سواء السياسية أو الاجتماعية أو غيرها من نواحي الحياة البشرية، هذه الديمقراطية لم تأت من فراغ ولم تكن هبة تمنح من طرف إلى الطرف الآخر أو تنازل من طرف عن صلاحياته لزيادة صلاحيات طرف أو أطراف أخرى إنما هي نتاج لصراع مجتمعي بنوعية “السلمي” أو “العنيف” امتد لسنوات في أماكن مختلفة وهو ما يمكن أن نراه في التاريخ على مدى العصور السابقة سواء كانت الديمقراطية البدائية كما عرفنا في الدولة الرومانية أو اليونانية أو في العصر الحديث بعد الثورة الأميركية والفرنسية وغيرها.
هذه الديمقراطية ليست كتطبيق وممارسة ولكنها كفلسفة خرجت من عقول الفلاسفة بعد هذا الصراع ودفع في سبيلها الكثير من الدماء في فرنسا بالذات ومعها الولايات المتحدة الأميركية في القرن الثامن عشر فلم تستقر تلك المجتمعات على ذلك النهج ولم تصل الفلسفة إلى ذلك الفكر (الديمقراطي) دون مقابل دموي كما رأينا هناك وهو بصورة مختصرة صراع اجتماعي، لذلك كانت الديمقراطية الغربية كفلسفة هي تعبير عن رغبة المنتصر في العالم الغربي وهي البرجوازية التي أنتجت الرأسمالية أو الليبرالية الاقتصادية وانعكست على الليبرالية السياسية المحكومة بالجانب الاقتصادي والحر منه بالذات.
ليس من الصحيح إنكار الحرية الفردية التي يعيشها الإنسان الغربي كنتيجة لهذه الديمقراطية الشكلية – ولكنها ديمقراطية في جميع الأحوال – ولا يستطيع إنسان إنكار أن هذا المواطن – الغربي – لديه الحق في التعبير الكامل عن رأيه في أي مجال وتوجيه النقد الذي يراه لأي مسؤول مهما كانت وظيفته ومهما كان مقامه مادام هذا المسؤول يحمل مسؤولية تنفيذية، وكل ذلك يمثل جزءا من الديمقراطية التي نتحدث عنها والتي ننشد جوهرها جميعا.
في الشرق وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص كانت نشأة الديمقراطية سابقة على كل ذلك بقرون طويلة بظهور الإسلام الذي أرسى من المبادئ الإنسانية ما لم تتمكن المجتمعات السابقة من إرسائه وكانت الممارسة سواء حرية الرأي أو التعبير مكفولة للجميع دون النظر إلى المستوى الاجتماعي أو السياسي ودون حدود، وهذه الديمقراطية نشأت بالرغم من عدم الاستقرار الذي أعقب وفاة النبي عليه الصلاة والسلام وبدون دماء نسبيا بل كانت الدماء التي سالت حينها تسبب بها الرافضون لتلك الديمقراطية في ما يشبه الثورة المضادة التي قاموا بها كوسيلة لوقف التقدم الإنساني الذي جاء الإسلام ينادي به، لذلك عاشت الديمقراطية العربية صراعا طويلا مع أولئك الرافضين منذ بداية الإسلام على يد النبي العربي الكريم عليه الصلاة والسلام حتى بدأت الثورة المضادة تؤتي أكلها بمقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه ثم استقرت بمقتل سيدنا علي رضي الله عنه.
بمقتل سيدنا علي بدأ المجتمع العربي السير في الطريق الآخر المعاكس للديمقراطية ودخل المجتمع العربي الإسلامي في طريق الظلام لقرون عديدة بالرغم من الحركات الكثيرة التي خرجت في محاولة لاستعادة الحق الإنساني وبالرغم من الأفكار التي أتى بها الكثير من المصلحين من حاملي شعلة الإنسانية والديمقراطية من أمثال الخليفة عمر بن عبدالعزيز الذي حاول لفترة وجيزة هي فترة خلافته العودة للمنبع الإنساني في الدين الإسلامي ولكنهم جميعا فشلوا في انتشال المجتمع العربي الإسلامي من ظلام الفردية والديكتاتورية وإن كانوا قد تمكنوا من تفتيح العقول ووضع بصيص من النور على الطريق الإنساني الذي وضع الدين الإسلامي مفاهيمه وقيمه.
ثم أتى الاحتلال الأوروبي المتعدد للعالم العربي الإسلامي وعمل على إبعاد هذا العالم عن كل مفهوم أو عمل متقدم أو دفع في عملية التقدم وساهم في زيادة التخلف والبعد عن الديمقراطية والحرية حتى انتصف القرن العشرين وانتهت الحرب الأوروبية الثانية وتم اغتصاب أرض عربية بالكامل وتسليمها لمرتزقة من باقي دول العالم وخرجت في أعقاب ذلك ما أطلق عليها في البداية الحركة المباركة ثم تحولت إلى ثورة إنسانية حاولت إرساء أوضاع ديمقراطية ونعني بذلك ثورة الثالث والعشرين من يوليو التي سنتحدث عنها في اللقاء القادم بعون الله.