نقرأ في كل يوم عن العنف في الشوارع الذي يحدث في مختلف مناطق العالم، ونسمع كذلك عن العنف أو التعذيب النفسي الذي تمارسه الأنظمة القمعية الكثيرة على مدى التاريخ بحق المعتقلين السياسيين كوسيلة للحصول منهم على معلومات، أو بهدف أن يقر المعتقل بما يريده من يمارس التعذيب بحقه، وقد سمعنا عن العنف في المدارس خصوصا بين الطلاب بعضهم البعض أو الطالبات أحيانا، ولكن لم أسمع عن تعذيب نفسي تمارسه إدارات المدارس بحق بعض الطلبة، هذا أمر جديد غير مقبول حدوثه، فإذا كنا نرفض التعذيب النفسي الذي هو أشد بكثير من التعذيب البدني على الكبار في المعتقلات والسجون، فمن بابا أولى أن يكون هذا التعذيب مرفوضا إذا حدث في المدارس، وبحق من يريد أن يبني حياته ويضع خطوطها العامة ويحدد طريقه للمستقبل.
من غير المنطقي ولا الصحيح أن تمارس إدارة المدرسة عملية التعذيب النفسي بحق الطلبة؛ من أجل دفعهم للاعتراف بما لم يحدث في اعتقاد غير صحيح بأن تلك الإدارة تعرف ما لا يعرفه الآخرون أو لتبرير العجز عن اتخاذ الخطوات الصحيحة الأخرى، وإلا فإنها بذلك الفعل تفقد أهم مقومات وجودها، ونعني بذلك العملية التربوية، فهي بهذه الممارسة تُعْمِلُ معاول الهدم في الشخصية المعنية – الطالب أو الطالبة – بل تهدم ما تقوم به العائلة لبناء شخصية أبنائها، وهي – أي الإدارات – تدفع للمجتمع بمنتج مغشوش؛ لأن العملية التربوية هدفها الأساس هو إنتاج أفراد يمارسون عملية البناء الصحيح في المجتمع، بالتالي يكون المطلوب منها إنتاج أفراد فاعلين وإيجابيين من غير عقد نفسية، وخوف دائم من الإقدام على الفعل، فإذا مارست الإدارة التعذيب النفسي للطالب أو الطالبة، فإنها تبني عقدا نفسية، وتهز شخصية ذلك الفرد، وبالتالي تنتج منتجا غير ما هو مطلوب للمجتمع.
التربية ليست أوامر ولوائح جزاءات ودروس علمية وعملية فقط ، التربية من مهامها الأساسية الاهتمام بالإنسان المواطن وبناء شخصيته، وجعله فردا واثقا من نفسه على الدوام، فردا فاعلا ومتفاعلا في مجتمعه، وليس فردا يملؤه الخوف الدائم من الفعل أو من الآخر، فردا مترددا في اتخاذ القرار خوفا من الخطأ والعقاب، وهو ما يخالف ما سمعناه في هيئة ضمان الجودة التي تهتم – كما سمعنا – بالمواطن الإنسان المتمثل بالأساس في الطالب أو الطالبة، فأساس الجودة هو ذلك الطالب وتلك الطالبة أما بعض المدارس عندنا، فرأيها مختلف وتعتقد أن الجودة تكمن في ترتيب المكان وتنظيفه – مؤقتا – فقط ويأتي الطالب أو الطالبة في موقع متدنٍ من الرؤية المطلوبة.
فقط للعلم، فإن ما نقول ليس أمرا نظريا أو نقوله من باب الخيال، بل هو أمر واقع حدث في إحدى المدارس الثانوية مؤخرا ولا داعي للحديث عن تفاصيله أو المدرسة التي حدث فيها، فصاحب الشأن يعرف نفسه، وفي نفس الوقت لا أظن أن مسئولي الوزارة على علم به أو بالممارسة التي نعنيها، والتي قامت بها إدارة المدرسة، ولا أعتقد أن أولئك المسئولين يتحملوا وزر ما حدث، ولكنهم يتحملون مسئولية وضع إدارات يمكن أن تقصر في التعامل مع الطلاب أو الطالبات، وتأهيل تلك الإدارات تأهيلا سليما، وما نقوله في الوقت نفسه لا نعني به منع العقاب على المخطئ – إن أخطا – ولكن في الوقت نفسه، فإن التربية لا تعني هدم الشخصية أو إلقاء التهم جزافا على الآخرين في حادث هو في الأساس خطأ ومخالف للقانون المقر من قبل الوزارة ... أليس كذلك ... والله أعلم.