العدد 1860
الأحد 17 نوفمبر 2013
الثورة من الخارج أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الأحد 17 نوفمبر 2013

بعيدا عن الفلسفة، فإن كلمة الثورة لا تخرج في معناها البسيط عن كونها عملية تغيير شامل للنظام – أي نظام – من جذوره في نواحيه السياسية والاجتماعية وربما الاقتصادية، فهي ليست عملية إصلاح تتناول جانب من جوانب النظام مع بقائه كما هو أو تحقيق بعض المطالب المعيشية من خلال ذلك النظام؛ لأن الثورة تعني أن المواطن وصل إلى مرحلة وجد فيها أن الإصلاح لا قيمة ولا معنى له، وبالتالي، فإن التغيير الشامل أضحى ضرورة ملحة، من هنا يمكننا القول بأن الثورة العربية الجارية الآن لم تصل إلى تلك المرحلة حتى الآن وإن كانت قد بدأت، ولكنها مازالت في البداية.
أما أحد أهم أسباب الثورة هو قيامها من الداخل أي بإرادة شعبية شاملة وبيد وطنية حقيقية، أما قيامها بإرادة خارجية أو بوحي من الخارج أو بسيطرة خارجية، فإنها في جوهرها لا تكون ثورة ولا وطنية، بل هي تحقيق لإرادة خارجية تخدم مصلحة تلك الإرادة وتحقق ما يريده الأجنبي الذي يمكن أن يتلاعب بها تبعا لتغير مصالحه، بل يمكن أن ينقلب عليها لو دارت مصالحه مئة وثمانين درجة، وقد رأينا هذه الحالة كثيرا في عصرنا الحديث.
بنظرة سريعة على حال الأمة الآن نرى أن تونس قد حدث بها ما يشبه الثورة الحقيقية، ولكنها لم تأخذ طريقها للتغيير الإيجابي حتى الآن، بل هي مازالت في بداية هذا الطريق. أما ليبيا، فلم تكن في الحقيقة ثورة منذ بدايتها، بل كانت تمردا عسكريا تم استخدامه من الخارج واعتمد في كل مراحله على ذلك الخارج الذي وضع يده كاملة داخل تلك الحركة وسيرها بالصورة التي يريد، والتي تخدم مصالحه قبل مصالح الشعب الليبي، وهو ما يعني ضرورة خروج تلك الحركة من عباءة الخارج؛ لتتمكن من وضع القدم على الطريق الصحيح.
أما سوريا، فقد بدأت ثورة شعبية حقيقية وسلمية في جوهرها، ولكن شرائح من المجتمع السوري وبالذات تلك التي تعيش خارج سوريا دخلت على الخط وبدعم الخارج الذي هيمن على القرار فيما بعد وهيأ تلك الجماعة السيطرة على صورة وليس حقيقة القرار، وتم إبعاد عناصر الثورة الحقيقيون لتتحول الثورة بعدها إلى حرب أهلية، وليس تمردا عسكريا كما كان الحال في ليبيا، وأضحى الوضع أخيرا إلى حرب خارجية تشن على سوريا بغض النظر عن النظام السوري الذي خدمته تلك التحولات أكثر كونها ضده ودخل الخارج بكل أطيافه إلى الداخل السوري، وصار المر بمثابة تصفية حسابات خارجية على حساب الشعب السوري وثورته الحقيقية التي قام بها الشعب العربي السوري في بداية المر بقيادة هيئة التنسيق التي يتجاهلها الإعلام عن عمد وعمل على تصفيتها بالرغم من مقاومتها لما يحدث حتى الآن، ولكن صوتها ضائع في وقتنا الراهن أمام جحافل الإعلام التي تسير في الاتجاه المعاكس.
أما ما حدث في البحرين، فهو من بدايته بعيد كل البعد عن أي مسمى ثوري، بل هو في حقيقته عمل قام على البعد الطائفي في مجتمع مهيأ في الأساس لهذا الوضع بدليل الشعارات التي صاحبت التحرك، وساهمت الحركة في شق المجتمع إلى شقين رأسيين بالرغم من المحاولات المستميتة من قبل الكثيرين لتصويرها على أنها ثورة شعبية وبالرغم من فقدها للزخم الشعبي وبالرغم من ارتباط الكثيرين من عناصرها بالخارج وتكالب ذلك الخارج للتحرك مع تلك الحركة مع التناقض الذي عليه ذلك الخارج ظاهريا (إيران والولايات المتحدة الأمريكية)، لذلك انقلبت تلك الحركة من صورة الثورة التي أراد أصحابها أن يصبغوها بها إلى عملية إرهاب تمارسه الكثير من العناصر المؤمنة بالتصور الطائفي للمجتمع وفي مواجهة أغلبية ذلك الشعب، من هنا لا يمكن لأحد أن يطلق صفة الثورة على هذه الحركة وأفضل ما يمكن تسميتها به هو تحرك إرهابي.
بقيت حركة واحدة ساهمت في الحراك الشعبي العربي، وهي الأهم في هذا المجال، ونعني بها الثورة في مصر العروبة، والتي سنخصص لها المقال التالي بعون الله...

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .