هل يمكن أن نعتبر ما حدث في مصر العروبة طوال حكم الجماعة الذي امتد لعام وثلاثة أيام بمثابة واحدة من الغزوات التي تعرضت لها مصر إلا أنها ارتدت ودُفِعَت إلى الخارج كما حدث مع جميع الغزوات التي حاولت احتلال مصر على مدار التاريخ القديم والحديث، ولم تتأثر مصر بهذه الغزوة كعادتها ولم تتأثر بالغزاة بل أثرت فيهم... هل يمكن ذلك، وهل نستطيع القول بأن هذه الغزوة الجديدة يمكن أن تختلف عن سابقاتها؛ لأنها أعدت طوال العقود الثمانية الماضية طابورا خامسا عمل على خلق الأرضية لهذه الغزوة معتقدا مؤخرا بأنه حقق المراد وحصل على مصر الجوهرة متجاهلا حقائق التاريخ التي لا تكذب، والتي تقول إن مصر لا تخضع للغزاة ولا تستسلم لهم وإنها في نهاية الأمر تعود إلى واقعها وحقيقتها كما فعل الشعب المصري في الثلاثين من يونيو الماضي حين خرج رافضا ذلك الغزو.
حين نقول إن ما حدث كان غزوا فإننا لا نقول ذلك اعتباطا أو مجرد خيال، ولكنه من يتابع ويبحث يجد أن هذه حقيقة تقوم على الاختلاف البيّن بين ما تريده مصر وشعبها وما تعمل عليه وبين ما يريده الغزاة ويعملون عليه، بين الوطنية المصرية المرتبطة قوميا بعروبتها وبين ما تتحدث عنه الجماعة من أممية تراها الجماعة أو تقول بأنها دينية وهي غير ذلك في الحقيقة ولا تفهم الوطنية والمواطنة إلا ما يقوم فيها على الانتماء الحزبي وليس الوطني.
لقد أوجدت الجماعة طابورا خامسا يعيش بين الشعب المصري طوال السنوات الماضية، واستخدمت في ذلك ما يستخدمه الغزاة من الخارج من زرع لعناصر تتقرب لذلك المواطن عن طريق احتياجاته الشخصية وتدغدغ عواطفه وتلبي بعضا من تلك الاحتياجات؛ لتغطي حقيقة الهدف من وراء ذلك، وتستخدم النتيجة بعد ذلك في الوصول إلى الحكم في اعتقاد بأنها وضعت غشاوة تحجب الحقيقة عن ذلك المواطن وتجعله يسير أعمى خلفها، وفي اعتقاد خاطئ كذلك بأن هذا المواطن يمكن أن يستبدل مواطنته ببعض احتياجاته، ولكنها لم تستطع حتى الآن وبعد ثورة الثلاثين من يونيو الإقرار بالخطأ كطريق أو بداية الطريق للإصلاح وتصر على ما هي عليه وتكابر وتستعين بالخارج على الأرض التي نبتت فيها.
الغزو ليس بالضرورة أن يكون عسكريا وبالسلاح، بل يمكن أن يكون فكريا وكثير من الدول الإسلامية الآن لم يدخلها المسلمون بالسلاح بل بالفكر والرأي - مع خطا المقارنة - ولكن الدين الإسلامي الذي دخل تلك البلاد هو دين صحيح جاذب محفز على عكس ما تطرحه الجماعة التي عندما يعرف الإنسان حقيقة دعوتها يبدأ في الابتعاد عنها وينفر من أطروحاتها، والدليل على ذلك ما يتحدث به ما كان داخلها ثم فتح الله قلبه وتركها بل هرب منها رغم القيود الكثيرة التي تضعها الجماعة على منتسبيها؛ لتمنعهم حتى من التفكير في تركها وتجعل الابتعاد عنها شبه مستحيل بسبب سيطرتها على جميع مناحي حياة من يدخلها.
ولكن على الجانب الآخر من المهم والضروري التمييز بين فكر وعمل الجماعة ومن يتربع على قمة هرمها وبين المنتمين لتلك الجماعة الذين هم منا ومثلنا، ولا نسقط ما يحل على الجماعة من أحكام على أولئك المنتسبين إلا من يكون مشاركا في القرار وواعيا بحقيقة الجماعة ومع ذلك يصر على السير معها إلى نهاية المطاف، فالحوار مع المنتسبين العاديين أمر واجب، أما التحاور مع تلك القيادات الواعية لما تفعل فهو أمر غير مجد، وهو حرث في الرمال كما يقال كالفرق بين الحوار بين المواطنين العاديين كما في الحالة الأولى والحوار بين المواطنين والغزاة كما في الحالة الثانية.
الخطورة التي عليها الجماعة لا تكمن في كونها جماعة دعوية كما تروج، ولكن في كونها تنظيما يحمل فكرا تفتيتيا للأمة ممزقا لكيانها هادما لمستقبلها، بل هو فكر لا يقر بوجود الأمة والوطن وهذا ما لا يمكن قبوله، وهو الذي دفع بالشعب العربي في مصر إلى للخروج لإزاحتها من السلطة... والله أعلم.
أما عن مستقبل الديمقراطية العربية فلذلك لقاء آخر بمشيئة الله.