العدد 1856
الأربعاء 13 نوفمبر 2013
صناعة الفساد أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الأربعاء 13 نوفمبر 2013

فساد الإنسان الذي يؤدي إلى الفساد المالي ومعه الفساد الإداري ثم ربما تلحقه جميع أنواع الفساد، هذا الفساد هل له علاقة بالحرية والديمقراطية وغيرها من المصطلحات الجميلة التي يتغنى بها الفقراء ويمقتها الأغنياء؟ وهل له علاقة بالنظام القائم في أي بلد وما إذا كان نظاما ليبراليا أو نظاما اجتماعيا؟ وهل يولد الإنسان فاسدا بالسليقة أم أن هذا الفساد يمكن أن يُصْنَع وَيُحَوِّل هذا الإنسان من إنسان صالح أو يمكن أن يكون صالحا إلى فرد – ولا نقول إنسانا – فاسد ومفسد؟، ثم هل تمثل البيئة مجالا معيشيا يغذي أو يصنع الفساد أم لا؟.
بعيدا عن تأثير الفساد في المجالات الحياتية والاجتماعية الأخرى يمكن القول بحق إن الإنسان لا يولد فاسدا فالفساد ليس صفة وراثية ولم يثبت وجوده في الجينات البشرية لكي يخلق إنسانا فاسدا بمجرد مولده ولكنه – أي الإنسان – يكتسب صفة الفساد من ضمن الصفات التي يكتسبها في المجتمع الذي يعيش فيه، بالتالي فإن المجتمع يمكن أن يخلق الفساد والفاسدين بيد المفسدين من البشر والحاجة التي يمكن أن يوجدها أو يخلقها النظام القائم وغياب الشفافية والديمقراطية والحرية يمكن أن تكون جميعها عوامل تساهم في صناعة الفساد، ولكن صانع الفساد الأول والمهم هو النظام المهيمن والمسيطر على السلطة، هذا النظام هو الذي يمكن أن يخلق فساد ذمم البشر بوسائل عديدة تتراوح ما بين الضغط اللامحدود على الإنسان والشراء المفتوح للذمة إضافة إلى إيجاد نظام يكون فيه الفرد بحاجة دائمة ومعرضا في أي وقت لبيع نفسه وذمته لمن يعرض الشراء كما قال أحد الفلاسفة منذ أكثر من قرنين إن الفقر يخلق البيئة التي تباع فيها الحرية وتشترى حيث تكون حرية الفقير معروضة للبيع ويكون الغني قادرا على شراء تلك الحرية حينها لا يكون هناك معنى للحرية.
ثم إن نوعية النظام الاقتصادي سواء كان نظاما رأسمالي منتهكا لحاجة الإنسان أو نظاما اجتماعيا قد ينتهك حرية ذلك الإنسان، كلاهما لا يصنعان الفساد لو قاما على الحرية الحقيقية والقدرة على المساهمة الفاعلة في صنع القرار من قبل الإنسان، وكانا مرتبطين بقانون يصنع الشفافية والمحاسبة المفتوحة مع أن النظام الرأسمالي أقرب من غيره لخلق بيئة مناسبة للفساد ومع ذلك فهو لا يصنع ذلك الفساد.
صناعة الفساد وإفساد الذمم قد تأتي من أي نظام، ديمقراطي نوعا ما أم ديكتاتوري، رأسمالي أم اجتماعي أو بين الاثنين لا يهم المهم هو القانون والشفافية والإيمان الصحيح وهل نحن في دولة قانون حقيقي أم أننا نعيش وسط قانون ظاهري لا يقوى على المحاسبة، وحين يتم الضغط على الإنسان حتى آخر نفس كما يقال فإن النظام يفتح الباب لهذا الفرد للسير في طريق الفساد، وحين يتم شراء الذمة عند البعض فإنهم يلجوا إلى داخل الفساد حتى لو تحدث هذا البعض بغير ذلك أو ظهر بمظهر الثائر المحارب للفساد أمام الغير وهو يعرف أنه فاسد بلا مبدأ فيتحدث بما ينفي عنه ما فيه، وحين يتم تسهيل وزيادة البذخ عند البعض والحرمان عند البعض الآخر فإن النظام في هذه الحالة يدخل في نطاق الإفساد ويدفع بالناس ليكونوا فاسدين، حينها يعمل كل فاسد على حماية غيره من المفسدين ويستشري الفساد في مفاصل الدولة ويصبح الفساد شبكة قد يعرف أولها ولكن لا يعرف آخرها، وكل من يدخل في دائرة الفساد يتظاهر بمحاربته له في عملية تمويه للغير لذلك نجده يحاول ويعمل على إفساد من حوله فهي سلسلة تشد الحلقات فيها بعضها بعضا.
الفساد لصيق لحجب المعلومة ولكنه على عداء مع الشفافية التي لا تعمل ولا يكون لها مفهوم بدون محاسبة وحرية، وكذلك الفساد لصيق للحرمان والحاجة والتمييز ولكنه معاد للمساواة والعدالة الاجتماعية السليمة لكن المشكلة تكون أكبر وأخطر حين يقترن الفساد بالمبادئ التي هي على النقيض منه ورادعة له وهذا له موقع آخر بعون الله... والله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية