أصبحت عملية اغتيال زعيم فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات موسمية يجري الحديث عنها كلما حدث أمر له علاقة ثم ما تنفك أن تنسى ويتم طيها مرة أخرى، والسلطة الفلسطينية يبدو أنها تود امتصاص ما يمكن أن يجلبه الحديث عن الاغتيال في كل مرة وتتحدث عن نيتها أو عزمها التحقيق وتشكيل اللجان ومطاردة المسؤولين عن تسمم عرفات ولكنها كما هي العادة في كل مرة تنسى أو تتناسى الموضوع بمجرد أن تمر أيام على إثارته.
الموت هو الحقيقة التي لا مفر منها وعرفات كان سيموت كغيره سواء مسموما أو ميتة طبيعية والجميع سيرحلون، لكل وفاة سبب سواء كان السبب طبيعيا ربانيا كما يقال أو بفعل فاعل، وحين يكون هناك فاعل تتحول الوفاة إلى جريمة وهو ما حدث لياسر عرفات وصاحب المصلحة معروف لا داعي للبحث عنه ولسنا بحاجة للبحث عن الدافع من وراء ترتيب تلك المؤامرة أو التحريض عليها أو تسهيلها أو تمويلها من قبل العدو الصهيوني وهو صاحب المصلحة الكبرى في تغييب عرفات واستجلاب من هو اقل منه ارتباطا بالقضية وتسهيلا لطمسها وأقرب للتنازل عن الكثير من ثوابتها كما رأينا ومازلنا نرى في الوقت الراهن.
الغريب أن السلطة الفلسطينية وهي صاحبة الحق الرسمي في التحقيق ومعرفة الأسباب ومعاقبة الجناة، إن استطاعت، هذه السلطة تتحدث عن لجنة تحقيق في كل مناسبة تطفو العملية على السطح ولكنها بمرور الأيام والسنين لا تتحدث عن عمل تلك اللجنة ولا نتائج ذلك العمل ولا العقبات التي تعيق عملها – إن عملت في الأصل – ولا أي شيء من ذلك القبيل مما يوحي أنه لا توجد لجنة في الأساس إلا على الورق، فقد سمعنا عن تشكيل هذه اللجنة عندما تحدث فاروق القدومي – لمن يذكر - منذ سنوات عن الموضوع فبادرت السلطة بالحديث عن اللجنة، ثم الآن وبعد حديث قناة الجزيرة عن نتائج التحليلات في المعامل السويسرية ومعرفة أن هناك سما من مادة مشعة يمكن أن يكون هو سبب الوفاة أو الاغتيال فبادرت السلطة بالحديث عن اللجنة وكأن هذه اللجنة بمثابة شماعة تعلق عليها السلطة الخمول والتقاعس التي هي عليه عن إظهار الحقيقة وبها تريد تغييب تلك الحقيقة عن الناس... فما السبب؟.
ليست هناك معلومات موثقة عن أسباب بطء عمل اللجنة الرسمية أو عدم وصولها إلى نتيجة معينة ولكن هناك آراء يتم تداولها ومحاولة لفهم هذه الأسباب أو التخمين بها عند الجميع منها أن السلطة تعرف الحقيقة منذ زمن ولكنها تتحاشى نشرها لأن ذلك النشر يمكن أن يعري الكثير من المتواطئين على ذلك الزعيم ويفضح المواقف المتخاذلة من السلطة تجاه العدو الصهيوني، فمعرفة الحقيقة الواضحة للجميع يفرض على السلطة التوقف عن أي تواصل مع العدو الصهيوني حتى يتم إيقاع العقاب على الجناة من الصهاينة وغيرهم وهي لا تستطيع ذلك وتصر على مواصلة تلك العلاقة الشائنة معه تحت أعذار مختلفة بل إنها تبحث عن تلك الأعذار لتوثيق تلك العلاقة وعلى رأسها العلاقة الأمنية التي لم تتوقف يوما من الأيام أي بين العدو الصهيوني والسلطة الفلسطينية الحالية، ومن تلك الأسباب أنه ربما تكون هناك عناصر من السلطة ضالعة في المؤامرة بالتالي فإن كشف الحقيقة سيضعها تحت طائلة القانون والمحاسبة القانونية والسياسية من قبل الشعب العربي الفلسطيني بل يمكن أن يحدث ثورة على السلطة بكاملها لذلك تتحاشى السلطة ذلك ويتحاشى الغرب ذلك لترابط المصالح بين الجانبين وعلى أمل أن تمر الزوبعة الحالية كغيرها من قبل وينسى الجميع الأمر حتى يتم التنازل عن جميع الثوابت الفلسطينية ويحدث أمر واقع لا يستطيع الشعب العربي الفلسطيني تغييره.
إذا كانت السلطة الفلسطينية على هذا الموقف فلابد من وجود وسيلة أخرى تكشف الحقيقة وتوقع العقاب على الجناة ومنها جامعة الدول العربية النائمة منذ زمن والتي يمكن أن توكل الأمر إلى القانونيين العرب – وهم كثيرون – ليبحثوا عن وسيلة قانونية جنائية دولية بعيدة عن سيطرة السلطة الفلسطينية ويمكن من خلالها معرفة الحقيقة ويمكن بها فضح الجناة وتوقيع العقاب عليهم، أما انتظار فعل إيجابي من السلطة الفلسطينية الحالية فهو بمثابة البحث عن سراب لن يوصل الشعب الفلسطيني إلى شيء ولن يعري الجناة الحقيقيين، وما تحدثت عنه وزيرة الخارجية الصهيونية منذ شهور عن علاقاتها الخاصة مع بعض تلك العناصر يجب أن يكون ماثلا أمام الجميع للتكهن بأسباب الإعاقة والله أعلم.