لم ينزل الحق سبحانه وتعالى القرآن الكريم ككلمات أو جمل مجردة بلا معنى محدد، وهي ليست مجرد حشو، ولكنها كلمات وآيات تحمل كل منها مفهوما ومبدأ عمل الإسلام على إرسائه والأمر بالسير على هدى معانيه منذ نزوله وحتى قيام الساعة، وربما كل آية تحمل إعجازا لا يفهمه إلا من يقرأ عمق تلك الآيات ويحاول فهمها على الطريق الصحيح ومقارنتها بما يحدث من حولنا، كون هذه الآيات كما فهمنا ونفهم صالحة لكل زمان ومكان، وهي لم تنزل فقط لمكة المكرمة أو المدينة المنورة مطلع الإسلام.
كلما مر الإنسان بحدث ينتهك من حريته أو ينتقص من حقه، وكلما نزل به أمر ظالم ووقع عليه ظلم جراء ذلك، كلما حدث شيء من ذلك نسمع من يقول له هذا نصيبك في دعوة صريحة له للرضوخ، وكأن من يقول ذلك يوحي لذلك الإنسان بأن هذا ما كتب له، وينسب كل ذلك للدين، وبالتالي لله سبحانه وتعالى، وذلك إلصاق لمفهوم ومبدأ الظلم من الإنسان للإنسان بالحق سبحانه وليس بالإنسان، مع أن رب العزة نبذ الظلم ودعا لمحاربته.
لو شئنا التطرق إلى الآيات التي تتحدث عن الظلم في القرآن الكريم لسرنا في جميع سوره الكريمة تقريبا فهي آيات كثيرة متعددة وهي لا تتحدث عن كون الظلم مكتوبا أو من مصدر إلهي، بل هي جميعها تتحدث عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ففي آية صريحة من الآيات العديدة في القرآن الكريم تتحدث عن هذه الصفة الإنسانية، يقول سبحانه وتعالى (لا يُحِبُّ الله الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ إلا مَنَ ظُلِم وكان الله سميعا عليما) النساء 148، وفيها يبيح الإسلام ما نهى عنه في موقف واحد وهو وقوع الظلم، فأباح للمظلوم أن يتلفظ بكلمات السوء بحق من ظلمه، فإذا كان تفسيرها وقت نزولها أنها كانت بحق أنواع قد تكون بسيطة ومتواضعة من الظلم بمقاييسنا الحالية، حيث هي أمور عادية تحدث، ومن فرد بحق فرد آخر، فكيف يكون الحال في أيامنا الحالية التي أصبح الظلم الشديد وليس الهيّن هو من الأمور الدارجة، وهو ظلم قد يقع من إنسان لإنسان آخر، أو من دولة بحق فرد أو أفراد من الشعب، لذلك يكون النقد الشديد واللاذع هو نوع من أنواع الجهر بالسوء من قبل من يقع عليه الظلم، وهو ما نسميه الآن حرية التعبير مع أنها منتقصة.
هذا يعيدنا إلى ما بدأنا به، وهو مصدر الظلم، والدعوة للاتكال عند وقوعه والركون للسلبية في ما يمكن أن نسميه تثبيطا لهمة الإنسان وجعله يستسلم للظلم، وتحفيزا للظالم للتمادي في ظلمه للآخر، وجعل كل ذلك جزءا من الدين والدين منه براء، وما يدل على ذلك هو دعوة الله سبحانه وتعالى للمظلوم إلى رفض هذا الظلم، إلى درجة منحه الحق في سب من يظلمه، مع أن السب والقول السيئ من الأمور المرفوضة دينيا، فهل بعد ذلك يمكن أن نقول أن المظلوم عليه أن يتقبل الظلم كونه مكتوبا عليه؟
مادام الظلم صفة إنسانية، فهي لا تكون من الله، وهي بالتالي أمر مرفوض ولا يمكن أن يكون مكتوبا أو توجيها من الخالق عز وجل، كما لا يمكن أن يكتب على المظلوم أن يصير سلبيا عند وقوع الظلم، فالصبر أمر مهم وحيوي، ولكن الصحيح أن يكون صبرا إيجابيا، بمعنى أن يكون صبرا مصاحبا لعمل إيجابي يمارسه المظلوم لنزع الظلم عنه وعن غيره إن أمكن، أما الصبر مصحوبا بالاستسلام والاتكالية فهو ليس من الدين في شيء.
مقولات العجز والاستسلام والتواكل هي من البدع التي أُدْخِلًت على الدين والإسلام لصالح صاحب القوة الذي يمارس الظلم ومن سار معه واتبع خطاه، أما من يتبع الدين الحق الذي نزل على النبي العربي الكريم فلا يمكن أن يستسلم للعجز والتواكل، بل هو مدعو لمحاربة الظلم والظالم، لأن دين الإسلام هو دين حق وقوة وعمل وليس دين عجز وضعف وتواكل كما يريد له أصحاب المصلحة الدنيوية أن يكون.. والله أعلم.