العدد 1835
الأربعاء 23 أكتوبر 2013
الوطنية بين الوطن والدولة أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الأربعاء 23 أكتوبر 2013

الوطنية ليست حالة جامدة لا تتأثر بالحدث وهي ليست فقط مفهوما محددا عند التيارات الفكرية المختلفة التي تناولناها مؤخرا، فالوطنية حالة متأثرة وتتسم بالمد والجزر بناء على ما يحدث في الوطن ويمكن أن تعلو أحيانا في ظروف معينة خصوصا عندما يتعرض الوطن لأزمة ما، ولكنها قد تخفت وتهبط أحيانا أخرى في ظل ظروف مغايرة.
إذا كانت الوطنية أو المواطنة بمثابة إحساس وشعور يحمله الفرد المواطن تجاه وطنه فإن هذا المواطن ليس على درجة واحدة من الوعي الوطني والفهم الصحيح للمواطنة الحَقَّة، ولكن المواطنين على درجات متفاوتة من ذلك الفهم والانتماء وهو ما يجعلهم عرضة في الكثير من الأحيان للتأثر بعوامل خارجة عن الوطن ولكنهم يخلطون الأمور ويصعب عليهم التمييز بين الوطن والدولة أو الحكومة، ولا يستطيع إنسان أن يوجه اللوم لأي مواطن يتعرض لهذا التأثير لو انتقص حق من حقوقه من قبل الدولة أو الحكومة وربط ذلك بالوطن.
هي معادلة قد تكون صعبة على الكثيرين حين يصاب مواطن ما بالغضب ويصبه على الوطن عندما يملؤه الإحساس بالغبن أو الظلم بأنه يقع عليه من قبل الدولة أو الحكومة التي تتحكم في الوطن ولا يتمكن من التمييز بين الوطن والدولة آو الحكومة، وحين نقول الدولة فذلك لأنها تضم السلطات المختلفة وليس الحكومة فقط ولكن الحكومة هي الجهة المسؤولة قبل غيرها عن تحقيق العدل والمساواة بين المواطنين بمختلف درجاتهم وانتماءاتهم وحين تكون العدالة مفقودة وحين تكون المساواة منقوصة يتكون لدى المواطن الإحساس بالغربة في وطنه ويتأثر إحساسه بالمواطنة تبعا لذلك.
على سبيل المثال لا الحصر وزارة العمل تتحدث في تقاريرها الدائمة عن البطالة التي تزداد وتنقص كل فترة ولكنها موجودة باستمرار لا تنتهي وهو أمر متعارف عليه في النظام الاقتصادي خصوصا النظام المفتوح كالذي نحن عليه، حين يقرأ أي مواطن عن تلك الأرقام ويجد ذاته في أحدها أو جزء منها مع أنه يبحث عن عمل فلا يجد، وعلى الجانب الآخر يقرأ هذا المواطن عن تعيينات لأفراد في عدة وظائف ولجان في وقت واحد إلى الدرجة التي يعجز فيها عن تأدية مهمته أو مهامه بالصورة المطلوبة بسبب انشغاله في عدة أماكن في وقت واحد (هذا إذا لم يكن لديه عمل خاص)، حين يرى أي مواطن ذلك كيف لنا أن نتحدث معه عن الوطن والمواطنة خصوصا إذا كانت إمكاناته الفكرية والسياسية متواضعة؟ وكيف يتسنى لنا الحديث معه عن ضرورة التمييز بين الوطن والحكومة التي تمارس ذلك العمل ولا شأن للوطن والمواطنة بتلك الممارسة وأن عليه ألا يخلط بين الأمرين؟.
وحين يسعى مواطن لخدمة معينة فتوضع في طريقه العقبات الواحدة تلو الأخرى ويتم التلاعب به بين هنا وهناك ويتم استنزاف وقته وجهده وربما ماله ثم يعجز ولا يتمكن أخيرا من الحصول على تلك الخدمة وفي نفس الوقت يجد غيره يحصل على نفس الخدمة بل أفضل منها بمكالمة هاتفية، حينها يوقن هذا المواطن أنه مختلف ولا يتساوى مع غيره من المواطنين وان هناك تمييزا في التعامل بين فئتين، فئة في العالي وأخرى في الحضيض، حينها هل يجدي لأي منا الحديث معه عن الوطن والمواطنة وعن حق الوطن على المواطن؟.
حين يكد ذلك المواطن طوال اليوم ومع ذلك يعجز عن المحافظة على دخله حتى نهاية الشهر ويجد الفرق كبيرا بين الدخل والمطلوب وفي الجانب الآخر تنهال الأموال على آخرين بمناسبة ودون مناسبة ودون جهد، هل نستطيع أن نجادله في الوطن والمواطنة وواجبه تجاه وطنه.
وحين ينتظر المواطن سنوات طويلة ليحصل على مكان يضمه وأهله وربما يغادر الدنيا دون حصوله على ذلك المكان أو أنه حين يحصل عليه لا يجد فيه راحته التي انتظرها سنوات وفي نفس الوقت يشاهد بعينه المباني الفسيحة التي تتوالى في كل مكان ويعرف أنها لأفراد أقل منه دخلا ويستغرب من أين لهم هذا وما الفرق بينه وبينهم وتتوالى الأسئلة عنده، حينها يكون صعبا علينا الحوار معه عن الوطن والمواطنة.
متناقضات كثيرة تموج بها مكونات المواطنة.. العدالة والقهر.. المساواة والتمييز.. القانون واللاقانون.. الغنى الفاقع والفقر المدقع.. الحق والواجب.. والخلاصة أن المواطنة كما قلنا ليست أمرا جامدا لا شأن له بما حوله بل أمر متحرك وحيوي وهي كالمعادلة الرياضية ذات الشقين جانب منها عناصر التكوين الباعثة للنتيجة والجانب الآخر يمثل النتيجة لتفاعل تلك العناصر، لذلك يصعب علينا أن نردد أمامه – أي المواطن - بيت الشعر العربي الذي يقول:
بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام
لذلك يحق لنا أن نتساءل، كيف نخلق إنسانا مواطنا؟ ولهذا موقع آخر.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية