العدد 1833
الإثنين 21 أكتوبر 2013
الوطنية بين العالمية والمحلية والخلاف بين التيارات المختلفة حولها أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الإثنين 21 أكتوبر 2013

لم نعرف الإسلام قبل النبي العربي محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ومازلنا وحتى قيام الساعة سنظل نستقي تعاليم هذا الدين الحنيف مما أتى به الرسول الكريم سواء في الجانب العقدي أو التنظيمي، وحين غادر الرسول مكة غادرها مجبرا وليس بطيب خاطر وكان يحمل الحنين والشوق لتلك الأرض حتى توفاه الله بعد ثلاث وعشرين سنة من الدعوة للدين الجديد فهي وطنه الذي بدأ فيه الدعوة وكان مصرا على البقاء فيه لولا الظلم الذي وقع عليه وعلى من تبعه من كفار قريش حينها ولم يكن يساوي مكة في نظره بلد آخر أو أرض أخرى مع أنها كانت أرضا قاحلة تعتمد على أماكن أخرى في معيشتها ولكنها الوطن الذي يجعلها أغلى من كل مكان في نظر الرسول العربي عليه الصلاة والسلام.
بعد ذلك وفي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم توسع الوطن بالفتوحات المتتالية ليضم أرض العراق والشام ومصر والخليج العربي واليمن كبداية لنشر الدعوة وتوسيع الأرض العربية الإسلامية والامتداد إلى باقي الأرض حتى انتشر الدين الجديد في مختلف قارات العالم وبقيت مدينة الرسول الكريم البؤرة والمركز للعالم الجديد.
ومع اتساع الأرض وانتشار الدين خارج الجزيرة العربية وفي ما وراء البحار بدأت تتشكل تيارات تحمل اسم الدين وتدعوا له وتحارب من أجله ولكنها في نفس الوقت تجاهلت ما بدأ به الدين في الجانب الوطني وبدأت ترى الوطن على أنه الأرض التي يقيم فيها الدين مع أن الحقيقة أن هذا الوطن هو وطن المسلمين القاطنين فوق تلك الأرض وأن لكل فئة وطنا مختلفا عن الآخر حتى لو كانوا على دين واحد وحتى لو كان ذلك الدين هو الدين الإسلامي.
ما نفهمه من وراء ذلك أن مفهوم الوطنية عند بعض التيارات التي تحمل اسم الدين الإسلامي تفتت وتحول من الوطن الأم إلى الأرض أيا كانت تلك الأرض وتقلص المفهوم بدلا من أن يكون وطنا أضحى مجرد أرض بالتالي يستطيع أي منهم ان يعتبر وطنه مكانا آخر غير الذي ولد فيه وعاش فيه وتعلم وتربى فوقه ويحمل بداخله عشقا له وواجبا نحوه، بالتالي لو استولى أجنبي على ذلك الوطن وتمكن من محو الدين منه لابتعد عنه ذلك التيار وتركه لأن المفهوم عنده مرتبط بالدين وليس بالأرض، وعلى الجانب الآخر ينفي ذلك التيار (أيا كان) المواطنة عن غير المنتمين للدين حتى لو ولدوا وعاشوا على نفس الأرض.
هنا يلتقي مفهوم هذه التيارات مع المفهوم الماركسي للوطنية الذي يرى أن الوطن هو وطن العمال أينما كانوا وان الوحدة هي بين العمال وليس بين الأرض وان مصلحة العمال تعلوا فوق أية مصلحة أخرى، وعندما نتحدث عن التيارات الحاملة لاسم الدين لا نعني تيارا معينا أو مذهبا معينا فهو موجود في التيارات المنتمية للمذهب السني كما هو الحال عند المؤمنين بولاية الفقيه من المذهب الشيعي فهم جميعا (كما نعتقد) لا يؤمنون بالوطنية في جانبها الوطني الذي نعرفه أو القومي الذي نؤمن به ونراه صحيحا.
هنا نستطيع أن نفهم مربط الفرس في الخلاف بين هذه التيارات المختلفة، بين التيارات السائرة على الفكر القومي المؤمن بإسلامه وعروبته وبين التيارات الأخرى البعيدة عن التصور القومي سواء كانت ترى الوطنية في الدين فقط ولا شيء غير ذلك أو تراه مختزلا في وحدة العمال وأين تكون وموقع مصالحهم وهو ربما خلاف لا علاقة له بالدين ولا الإيمان فجميعهم ربما ينتمون للإسلام ويؤمنون بالرسالة السماوية وبالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ولكنهم يختلفون في الوطنية والمواطنة والزاوية التي يرى منها كل منهم وطنه وأين يكون وواجبه نحو هذا الوطن وحق الوطن عليه.
الوطن والوطنية لا يمكن اختزالهما في مذهب ديني ولا مصلحة اقتصادية أو شعور بالحق والواجب نحو الأرض ولا ذكريات تنتمي لأرض محددة أو بشر يعيشون على هذه الأرض بل خليط من كل ذلك ويزيد.. والله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .