صادق وصدوق ثم صديق أما غير ذلك فلا يكون صديقا، كلمات تستخدم في غير معناها وموضعها بعد أن سادت المادة والمصلحة الذاتية الحياة البشرية وتحولت إلى غاية تنفي معها الكثير من المبادئ والقيم الإنسانية، الأغلبية الآن تبحث عن صديق فلا تجد لأن الصداقة في زمننا أضحت عملة نادرة من وجدها عليه أن يَعُضَّ عليها بالنواجذ ويبعدها عن كل ما يسيء إليها من عوامل التعرية البشرية ولا يَلُومَنَّ إلا نفسه لو أساء لها وأفقدها معناها.
حبذا لو يمعن الفرد منا النظر من حوله ويبحث عن صديق في كل من يعرف ويضع الميزان ليحدد بنفسه.. فماذا سيرى؟ هل سيجد في من حوله صديقا بمعنى كلمة “صديق” أم سيجد معارف جمعته بهم ربما الصدفة أو الرحلة أو المناسبة ونمت معهم أو معه علاقة المعرفة تلك؟ ثم يستمر في حالة الخلط بين الصداقة والمعرفة ولا يستطيع التمييز بين الحالتين لأنه لم يمر بحالة أو موقف فاصل ومحدد يستطيع من خلاله التمييز بين الحالتين الملتبستين أو ربما يرفض هو من ذاته الإقرار بذلك الموقف أو التفريق بين الأمرين لخوف بداخله ورفض لواقع معين أو ربما لحاجة في نفس يعقوب قضاها كما يقول الكتاب الكريم.
الصداقة ليست مصلحة تجمع بين فردين أو أكثر لأنها لو كانت كذلك فإنها حتما ستزول بانقضاء تلك المصلحة، والمصلحة في الكثير من الأوقات والمواقف قد تجمع بين النقيضين أو المتناقضين الذين يمكن أن يغضوا الطرف عن الخلاف أو حتى العداء من أجل تلك المصلحة وبمجرد انتهائها يعود كل إلى حاله ويبحث عن مصلحة أخرى في مكان آخر ومع فرد آخر أو أفراد آخرين، بالتالي لو كانت الصداقة قائمة على المصلحة لانتهت بانتهاء تلك المصلحة وهو ما لا يمكن أن يحدث في الصداقة الحقيقية أو أن تلك العلاقة لا تحتمل مسمى الصداقة فهي نفعية وقتية على عكس مفهوم الصداقة المجردة الدائمة.
والمصلحة ليست تناغما أو تشابها فكريا أو حتى تماثلا في الفكر يجمع فردين أو أكثر ويُسَهِّل الفهم المتبادل بينهم ويعمق العلاقة الخاصة أو الشخصية بينهم، فالفكر متطور متحول بل متغير وقابل للتجديد مع الأيام ومع المستجدات المجتمعية ويمكن لأي كان أن يتحول من توجه فكري معين إلى آخر مقارب أو مختلف نوعا ما أو حتى مناقض في أية لحظة من اللحظات فهل يكون هذا التحول مدعاة لانتهاء الصداقة أو محددا لها، فإذا كان هو المقياس فإن التحول الفكري - وهو يحدث عادة - يعني نهاية الصداقة لو كانت مرتبطة به وقائمة عليه وهو كذلك ما لا يمكن حدوثه لو كانت هناك صداقة فعلية قائمة وهو ما يعني في نفس الوقت أن هذه العلاقة لا تتعدى علاقة فكرية أو تنظيمية أو حزبية.
كلمة صديق قادمة من الصدق وهي من المفترض أن تحمل في داخلها معنى التجرد من كل ما يسيء إليها وينتقص من قدرها.. من المصلحة والغاية والهدف الذاتي أيا كان شكله وأيا كان مصدره.. هي صفة روحية بالأساس ومادية في نفس الوقت.. وهذا ما يدفع الكثيرين للتساؤل.. هل يمكن أن يحدث ذلك في ظل واقعنا المادي الحالي بل المدقع في المادية؟ وهل هي موجودة تلك العلاقة (الصداقة) بمعناها المجرد القابل للوقوف في وجه التأثيرات المختلفة؟ وهل تستطيع النأي بذاتها عن التأثر بكل ما يحيط بالبشر من نوازع وغايات وأهداف ذاتية تختلط معانيها بالمصالح المجردة العامة؟.
النواحي المادية من منافع وتقارب في احد جوانب الحياة يمكن أن تكون باعثا لتلك العلاقة المسماة بالصداقة ولكنها ليست محددة لها لذلك أطلق كثير ممن حملوا الحكمة بعضا من الأمثال والمفاهيم على تلك العلاقة.. الصديق وقت الضيق.. كن صديقا ولا تكن ابن عم.. صديقك من صَدَقَكَ لا من صَدَّقَك.. وغيرها من الحكم والأمثال التي تنأى بمفهوم الصداقة وقيمتها عن كل ما يدور حولنا في يومنا المعاصر.
لماذا نتحدث دائما في نوع من الحنين إلى الماضي ونقارن بين ما كان فيما مضى وما هو كائن الآن، ببساطة لأن الجوانب المادية في زمننا الحاضر تداخلت مع المعاني الإنسانية فأفسدتها ونزعت منها قيمتها، مجرد رأي والله أعلم.