ذكر الله عز وجل الزكاة في حوالي أربعين موضعا من كتابه العظيم، وقرنها بالصلاة في ثمانية وعشرين موضعا، أما الأحاديث والآثار فقد بلغت حوالي سبعة آلاف وخمسمئة، ما بين الصحيح والحسن والضعيف.
وسؤال اليوم هو: هل يؤمن جميع أغنياء البحرين بهذه الآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وما كتبه علماء الإسلام على مختلف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية في شأن الزكاة؟
وأعني بالسؤال ليس مجرد إيمان التصديق بأنها وردت في كتاب الله تعالى، أو على لسان رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم؟ إنما أعني الإيمان الحقيقي الذي يكون بالقلب واللسان وتصدقه الجوارح بالعمل!
ترى هل يَصْدُقُ أي غني مسلم حين يقول إنه يؤمن بالزكاة وأنها فريضة بل ركن من أركان الإسلام إذا كان لا يتعلم أحكامها ولا يراعي شروطها، أو لا يؤديها على الوجه المطلوب، بل قد لا يؤديها إطلاقا!
إن كثرة الآيات والأحاديث التي وردت في شأن الزكاة، تدل على عظم شأنها عند الله عز وجل، وأهمية دورها في المجتمع الإسلامي. ولهذا اهتم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقاتل من أجلها خلفاؤه الراشدون، وألف فيها فقهاء الإسلام من مختلف المذاهب، واعتنوا بها عناية دقيقة، لما تضمنته من جوانب عقدية وتعبدية ومالية واجتماعية ودعوية بل سياسية أيضا.
أيها الأغنياء، هل تعلمون كم من المسلمين في البحرين يعانون الأمرين من فقر وحاجة وعوز ومرض وضيق عيش، وربما اتجاه للجريمة، أو انحراف عن الاستقامة بسبب جريمة منعكم للزكاة؟
يا أغنياء البحرين: إن الله عز وجل حين فرض الزكاة لم يفرضها عز وجل لنفسه تعالى، لا والله لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء ولأنه هو الصمد المستغني عن العالمين.
لقد شرع الله تعالى الزكاة لما فيها من خير وصلاح للمجتمع، فهي فريضة مالية، وركن أصيل في البناء الاقتصادي لأية دولة إسلامية، وحق من حقوق فقراء المسلمين، وحق على الدولة وعلى أصحاب الأموال.
في عام 1409 هـ - 1988 م عقدت الهيئة الشرعية العالمية للزكاة ندوتها الأولى في القاهرة بمشاركة علماء وطلاب علم وباحثين من جميع دول العالم الإسلامي، وورد من ضمن توصيات الندوة ما يلي:
أ - دعوة الحكومات في البلاد الإسلامية إلى العمل الجاد لتطبق الشريعة الإسلامية في مجالات الحياة كلها، ومن ذلك إنشاء مؤسسات خاصة لجمع الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية على أن تكون لهذه المؤسسة ميزانية مستقلة في مواردها ومصارفها عن الميزانية العامة للدولة. أما في البلاد غير الإسلامية فالبديل هو الجمعيات التي تعنى بشؤون الزكاة.
ب - دعوة الحكومات الإسلامية لإصدار التشريعات الكفيلة بإقامة مؤسسات الزكاة التي يشرف عليها أهل الدين والأمانة والكفاية والعلم.
وفي عام 1414 هـ 1994م، عقدت الندوة الرابعة للهيئة في البحرين، وكانت التوصية الأولى كما يلي:
“تناشد الندوة حكومات الدول الإسلامية إصدار القوانين القاضية بتطبيق نظام الزكاة جباية وتوزيعا، على أساس الالتزام، وإقامة هيئات مختصة لذلك تكون مواردها ومصارفها في حسابات خاصة. كما تناشدها إعادة النظر في جميع النظم المالية وغيرها لتوجيهها الوجهة الإسلامية”.
طبعا نحن في غنى عن القول إن الكثير من التجار والأغنياء يؤدون زكاتهم بكل طيب نفس نسأل الله تعالى أن يثيبهم ويبارك لهم ويزيدهم من فضله، لكن لنفترض جدلا أن (بعض) المكلفين بأداء الزكاة لم يؤدوها؟ فما هو دور الدولة آنذاك؟
هذا ما سنناقشه في المقال القادم بإذن الله، فإلى لقاء.