“ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته”.
الحديث أعلاه هو من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قاله لأبي الهياج الأسدي وهو من أصحابه كما رواه مسلم رحمه الله في صحيحه.
فهذا ما بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أجله، التوحيد، وهو ما علمه رسول الله لزوجاته ولأصحابه، وهو ما بعث عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن هؤلاء الصحابة علي.
بموجب الحديث الصحيح أعلاه فإن النبي كلّف عليا رضي الله عنه بتكليفين عظيمين: الأول: أن يطمس الصور وجاء في بعض الروايات التماثيل، والثاني: أن يسوي القبور المشرفة بالأرض ولا يتركها مرتفعة ارتفاعا كبيرا عن الأرض.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث البعوث لمثل هذا، إذ هو لب دعوة التوحيد، بل دعوة جميع الأنبياء كما قال الله تعالى: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ”.
وهذان الفعلان كما يعلم كل عاقل متتبع للانحرافات التي وقعت في الأمم السابقة وفي أمة محمد أيضا، يعلم أن - هذين الفعلين - أعني التماثيل والصور، والغلو في قبور الصالحين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيل الأصنام ويكسرها بيده الشريفة، كما أنه كان يحك الصور ويأمر بحكها، ومن ذلك أنه رأى أن أهل الجاهلية صوروا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام داخل الكعبة وبأيديهما الأزلام، فقال: “قاتلهم الله والله ما استقسما بالأزلام قط” [رواه البخاري]، ثم أمر بمسحها، فلما مسحت دخل البيت.
وكذلك أمر النبي في شأن القبور لما فيها من فتنة وذريعة للشرك والغلو الذي أودى بالأمم السابقة، كما جاء في أحاديث أخرى، ففي الصحيح أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور فقال: “أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله” [رواه البخاري].
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: “ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا: القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعل ذلك...
إلى قوله: “فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا؛ وبالجملة إنهم لم يَدَعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع، لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالما ولا متعلما، ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا. [نيل الأوطار].
وهذه الروايات واردة في كتب المذاهب الأخرى، فقد روى الكليني في كتاب الكافي عن أبي عبدالله قال: “قال أمير المؤمنين عليه السّلام: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقال: لا تدع صورة إلا محوتها ولا قبرًا إلا سوّيته”.
وفي رواية أخرى “بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدم القبور وكسر الصّور”. [فروع الكافي، وسائل الشّيعة، وفي عشرات الكتب غيرها].