العدد 1931
الإثنين 27 يناير 2014
“والله ما ظنتي يا بوعبدالله” إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
الإثنين 27 يناير 2014

حدثني الأخ جاسم المعاودة وقال: صلّى أحد الأئمة العشاء في أحد مساجد الكويت وكانت كنية الإمام “أبوعبدالله”، وكان يقرأ من سورة الزمر، فقرأ خطأ “وسيق الذين كفروا إلى الجنة زمرا”.
لم ينتبه بعض المصلين كالعادة للخطأ، إذ بعضهم ليس منه في الصلاة إلا جسده، أما الذين انتبهوا للتناقض (الذين كفروا).... (إلى الجنة) فلم يعرفوا الآية الصحيحة، ومنهم أحد كبار السن، ففكر قليلا ثم قال: “والله ما ظنتي يا أبوعبدالله”.
سبق أن استشهدت بهذه القصة في مقال نشرته في يونيو 2001 - وعلقت عليه آنذاك من الناحية الفقهية ونقلت أقوال العلماء في قضية الفتح على الإمام وبعض أحكام الإمامة.
اليوم تذكرت القصة ولعلي أنطلق منها إلى بعض القضايا السياسية ومواقف الناس المختلفة منها، ويأتي في مقدمة ذلك قضية مشتركة بين الفقه والسياسة في الإسلام.
إن لتشريع الفتح على الإمام في الإسلام فلسفة عظيمة، حيث يستطيع أصغر مصل في المسجد أن يرد على الإمام إن هو أخطأ، ولو كان الإمام من أكبر علماء الإسلام، وعلى الإمام أن يقبل التصحيح والتنبيه وألا يستكبر ولو كان الراد عليه هو أصغر طفل في المسجد مادام يحفظ القرآن الكريم.
فإن جاز هذا في الصلاة التي هي خير موضوع بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو في ما دون ذلك أوجب، فيستطيع كل فرد مسلم أن يرد على غيره من المسلمين نصحا وتصحيحا، على شرط أن يكون ذلك النصح لوجه الله، وأن يكون بعلم، وحكمة، وعلى أن لا تربو المفسدة على المصلحة، وأن لا يكون في الرد تشهير أو تعريض.
والحمد لله أن أحدا - ولا حتى غلاة طاعة ولاة الأمر - لم يقل يوما إنه لا يجوز الرد على ولي الأمر إن كان هو إمام الصلاة علنا إن أخطأ لأن ذلك قد ينقص من مكانته، علما أنه يندر أن يوجد منهم من هو حافظ للقرآن أو مؤهل للإمامة فضلا عن الخطابة أو القضاء أو الفقه كما كان عليه أئمة المسلمين في زمن الإمامة الحقيقية.
من الفوائد أيضا أن يبادر حفظة القرآن وأهل الفقه بالصلاة خلف الإمام وذلك للفتح عليه إن أخطأ. وكذلك الأمر في السياسة فعلى القائد أن يجعل خلفه أهل الفضل والإخلاص والنصح والعلم، وليس “المداحين والبصامين والمداهنين”.
من الفوائد أيضا أن بعض الناس يصلون في المساجد لعقود طويلة، ولكن بعضهم لم يكلف نفسه الحفظ، فماذا لو جعل له وردا بأن يحفظ آية كل يوم، أو حتى آية كل أسبوع، وفي هذا رفعة له في الدنيا والآخرة، فإن العبد يقال له يوم القيامة: “اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها”.
كذلك الأمر - مع الفارق طبعا – في شأن من يمارس السياسة ويكتب أو يتكلم فيها منذ عقود ولكنه مع ذلك لا يدرك أن العدل والإنصاف والإصلاح الحقيقي، الاختيار الأفضل للأمة على المدى البعيد.
هناك صنف قد يكون مخلصا، وهو يرى الخطأ ويعلم بالمنطق أو بالحس العام أنه خطأ، لكنه لا يملك من الثقافة ما يؤهله لمعرفة البديل الصحيح النافع، ولذلك علينا أن لا ننكر على هذا الناصح بل النظر في نصيحته ولو جاءت بغير الشكل الصحيح، فهو أفضل ممن سكت.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .