العدد 1928
الجمعة 24 يناير 2014
هواتف العملة إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
الجمعة 24 يناير 2014

قبل حوالي عقد من الزمان تلقيت اتصالا من أحد الأصدقاء الأفاضل وكان عزيزا علي وله مكانة خاصة بالإضافة لكونه حافظا للقرآن الكريم بأكمله، فهو رجل ذكي، مثابر، مخلص وحلو المعشر، وما أندر هذه الصفات اليوم.
قال لي ذلك الصديق إن إحدى الشركات الكبيرة تبحث عن “منسق صحافي”، وسيدفعون له راتبا مجزيا، ولا بأس أن يكون عمله معهم بدوام جزئي، وهو كما ترون عرض مغر.
قلت بعد الاستفصال عن مهمات المنسق المزعوم: إنهم لا يبحثون عن منسق صحافي، وإنما يبحثون عن كاتب من فئة “هاتف العملة” يعني بوق يروجون به لشركتهم ويلمعون صورتها، أو ربما يمنعون أي انتقاد لهم إن كان هذا الصحافي صاحب سلطة في صحيفته، ورفضت العرض كما طلبت منه بلطف أن ينأى بنفسه عن هذه الوساطة المشبوهة.
ومرّت الأيام وانتهى الموضوع، وبعد فترة قصيرة قرأت مقالا مطولا لأحد الصحافيين “المخضرمين” وهو يمدح الشركة ذاتها مدحا بالغا، ويثني على المسؤولين فيها أشد الثناء.
ولسبب ما بدا لي أن أتصل بصاحبي “حافظ القرآن” وأسأله عن الشركة التي كانت تبحث عن منسق صحافي، هل عيّنوا صحافيا، وإن فعلوا فمن؟ فقال: نعم، فعلوا، وأظنه “فلان”.
أتدرون من كان ذلك الصحافي؟ نعم الإجابة صحيحة، إنه هو نفسه الصحافي النحرير المخضرم الذي كتب المقال المطول عن الشركة!.
شريحة إعلاميي “هواتف العملة” أو “كتاب السلطة” موجودة في كل بلد، بل هي ظاهرة زمانية ومكانية، والبعض يسميهم “حراس السلطة” وهي تسمية في منتهى الدقة.
أثرت الموضوع حينها مع أحد المسؤولين السابقين فقال إن لديه معلومات أن جهة واحدة فقط كانت تدفع رواتب شهرية لحوالي ستة أو سبعة صحافيين وكتاب في جرائدنا المحلية.
وكما هو الحال على مستوى الشركات، يوجد “هواتف عملة” على مستوى الدول والحكومات، فترى الكثير من الصحافيين والإعلاميين والسياسيين المتلونين والناشطين الجدد قد سخّروا أنفسهم للدفاع عن شخص أو جهة مهما كانت مواقفها!.
وفي المقابل يعلم الناس وحتى المخدوعون فيهم قدر الجوائز والعطايا والمنح والهدايا التي تمنح لهم، والمناصب التي تعرض عليهم، والمجالات التي تفتح لهم.
وكما أن هناك صحافيين من فئة “هواتف العملة” فهناك كتاب أو مشاركون في الصحف قد امتهنوا “المدح والردح” كما نسميه بالعامية مجانا، لأهداف مقيتة ومآرب طائفية أو حزبية أو غيرها، فتعددت الأسباب والردح واحد.
“هواتف العملة” لا يمكن أن يثبتوا على حال ولا أن يقر لهم قرار، وسبب ذلك أن مرامهم ليس هو بالضرورة المصلحة العليا؛ بقدر ما هي مصلحة الجهة التي يوالونها أو يعادونها أو التي ترمي في أفواههم العملات المعدنية لينفتح الخط.
المشكلة أن بعض “هواتف العملة” متمرسون جدا فيما يفعلون، ولديهم ألسنة عليمة، ولهذا فقد يروج ما يطرحونه في بعض الأحيان، ولكن كما قيل لا يمكن أن يخدعوا جميع الناس في جميع الأوقات.
على السريع:
كتب أحد الصحافيين العرب وهو يعلق “ساخرا” على بعض أساليب “هواتف العملة” في غمط الحق، وتزيين الباطل فقال مقلدا لهم حول مطالبة الشعب في بلده للرئيس بأن ينفذ وعوده فقال: “إنهم يطالبون الرئيس بأن ينفذ وعوده التي قطعها للشعب! صحيح ناس ما تختشيش، مش كفاية ان الرئيس وعد! كمان عاوزينه ينفذ! لأ لأ لأ، ده كده كتير أوي”!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .