العدد 1862
الثلاثاء 19 نوفمبر 2013
العصا في التاريخ والصناعة والدين إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
الثلاثاء 19 نوفمبر 2013

يحدثنا المؤرخون بأن صناعة “العصا” كانت من أهم الصناعات وأنفعها في تاريخ الإنسانية، وأنها قد لا تكون بأهمية النار؛ إلا أنها ساهمت بشكل كبير في تأسيس الصناعة.
لقد كانت “العصا” اختراعا بسيطا في أوله فلم يزد عن غصن شجرة بسمك معين كان الإنسان يستخدمه في مشيه “عكازة”، ويرعى به غنمه، كما ورد في عصا موسى عليه السلام وله فيها بعض المآرب الأخرى، وهي ذاتها العصا التي كانت تتحول إلى حية تسعى وأكلت حبال وعصي السحرة، وضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، والتي ضرب بها البحر فانفلق.
استخدمت العصا أيضا في الزراعة للحرث كما كانت تفعل نساء القبائل، ثم أضيفت لها قطعة معدنية فأصبحت فأسا، ثم تطورت إلى أدوات أخرى يحتاجها الزراع.
اكتشف الإنسان أيضا أن العصا مفيدة في الحروب فهي توهن العدو، وتصل إلى ما لا تصله اليد. ثم تحولت العصا إلى حربة أو رمح أو سهم.
كما ذكرت العصا أيضا في القرآن الكريم في قصة سليمان عليه السلام لما مات وهو واقف مستند إلى العصا “المنسأة” وظنت الجن أنه حي حتى أكلت دابة الأرض جزءا من عصاته فخرّ.
وكذلك لعبت العصا دورا في السياسة فكان منها عصا عاجية يمسك بها القنصل أيام دولة الرومان، وتحولت إلى رمز للقوة والسلطان.
كما استخدم النبي العصا في خطب الجمعة والأعياد والمناسبات وربما اعتمد على قوس. كما كان عليه الصلاة والسلام يركزها أمامه كسترة له في الصلاة.
كما استخدمت العصا من قبل المكفوفين، وبدأت بغصن شجرة، ثم عصا مصقولة، ثم تطورت إلى عصا بيضاء معينة، ثم إلى عصا إلكترونية تحمل في رأسها مجسات كتلك التي توضع في جوانب بعض السيارات وهو ما اخترعه طالب سعودي استوحى الفكرة من السيارات وكان يفكر قبلها كيف يساعد كفيفا في حيهم.
العصا تستخدم أيضا من قبل الشرطة وهي أحد أهم أسلحة الشرطة في جميع دول العالم، وكذلك الكشافة. كما تستخدم من قبل البحارة لدفع القوارب، ومن ثم تطورت حتى أصبحت مجدافا.
وأخيرا وليس آخرا، فإن العصا تستخدم للتأديب، وفي ذلك المثل المشهور “العصا لمن عصى” وليس بالضرورة أن تكون العصا هاهنا مقصودة لذاتها، وإنما المراد من المثل هو فلسفة العقوبة والردع للفاعل والزجر من خلاله لغيره.
يقول الله تعالى في هذا المعنى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون”، والقصاص هو القتل، فيكون نص الآية الكريمة لكم في القتل حياة.
نعم هو كذلك، لكم في القتل الحياة، ولكن أي قتل وأية حياة! لكم في قتل المجرم والمتعدي على حقوق الآخرين، حياة آمنة للملتزمين بالشرع والقانون.
فلسلفة مكافأة المحسن، ومعاقبة المسيء هي فلسفة إيمانية قرآنية شرعها الله الحكيم الخبير، وهي أيضا فلسفة منطقية وصل لها الإنسان بالتجربة، حيث اكتشف أنه لا يمكن للإنسان أن يعيش في مجتمع ما لم يضع القواعد التي تضبط تعامل الناس مع بعضهم البعض.
مفهوم “العقوبة” و”تطبيق القانون” لابد أن يعم الجميع، وينضوي تحته كل فرد في المجتمع، بل يشمل مع الأفراد؛ الجماعات والدول والتحالفات.
أما في حال فقد القانون، أو تهاون ولاة الأمر فيه، أو أساء المعنيون في تطبيقه أو حادوا به عن العدل والعدالة، فإن المجتمع تعمه الفوضى، وتضيع حقوق الناس، ويختل التعايش بقدر الإخلال به.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية