الآن، وهنا، ظرفا زمان ومكان، كلاهما محدودان ومقيدان بقيود المجتمع، وهما بالنسبة لكل إنسان لازمان وملازمان، لأنه إنما يكون أينما كان في (الآن) و(هنا) بالنسبة له.
مع ذلك فإن الإنسان العظيم معيبٌ في حقّه أن يحصر نفسه في هاذين الظرفين، وإلا فإنه مهما حاول وسعى فسيظل - أيّا كان مجاله - محصورا ومقيدا في إطار وحدود المجتمع الذي قد يكون صائبا وقد يكون خاطئا.
لهذا لم يعرف التاريخ عظيما بدءا من الأنبياء ثم من دونهم، ولا يمكن أن يكون عظيما، ما لم يتجاوز القيود والحدود المضروبة من قبل المجتمع.
الإنسان المميز هو من يخرج من إطار عصره، وحدود مكانه، وهو من يرفض أن يكون كغيره في حجرٍ محجورٍ من العادات والمعتقدات والممارسات الآنية.
هو من يعود إلى التاريخ فينتقي منه ما كان حقا ولو خالف ما يؤمن به بنو قومه أو يفعلوه، وهو من ينظر إلى المستقبل ويقدّر ما يكون ولو تناقض مع الحاضر.
وفي هذا يُروى عن الإمام السلفي الحسن البصري رحمه الله تعالى: “العالِمُ يرى الفتنةَ وهي مقبلة، والناس لا يرونها إلا وهي مدبرة”، وأيضا: “إن الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل”، وقوله إذا أقلبت، أي قبل أن تقع. هذا هو الفرق بين الجاهل وبين العالم، فالعالم لا يعيش في حدود “الآن” و”هنا” بل هو ينظر في الأمور ويقدرها، ويسبر الأحداث من خلال أسبابها. إن للظروف قوة وسلطانا قد تتجاوز في وقتها ومكانها كل حكيم وعاقل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء” (منهاج السنة النبوية).
ولعلنا نمثل لما سبق بعلم الجيولوجيا أو تحديدا علم الزلازل، فالعالم الذي يرصد الاهتزازات في قشرة الأرض، ويستقرئ التغيرات في قوى باطن الأرض، ثم يقدر أن زلزالا أو حتى بركانا قد يقع في المكان الفلاني وفي التاريخ الفلاني، فإذا وقع الزلزال عرفه كل أحد.
ومثله في علم الأرصاد الجوية، حيث يرصد المختصون التغيرات المناخية ويدرسوا آثارها، ويحذروا، ومثلهم في علم البيئة، ومثلهم في علم الاقتصاد، حيث يحذر الخبراء من الانحرافات الاقتصادية، وينذروا بالانهيارات المالية قبل عقود من وقوعها بالنظر إلى أسبابها، فإذا حلّت عرفها كل أحد.
المنطق ذاته يتكرر في كل مجال، ديني أو سياسي أو غير ذلك، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا أن الله تعالى يبعث على رأس كل مئة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، وهذا المجدد لا يمكن أن يكون ممن يجاري قومه وإلا ما كان مصلحا.
وكذلك الإصلاحات السياسية؛ لا يمكن أن يكون لها أثر إيجابي عظيم في أي مجتمع ما لم تتجاوز في أطروحاتها وعمقها وشموليتها الزمان والمكان والظروف الآنية.
الإصلاحات السياسية الحقيقية لا يمكن أن تكون من قبيل معالجة آثار الأزمات الطارئة، حيث تكون حركة المجتمع في مجال “الآن” و”هنا” أكثر كثافة من أي وقت آخر، وحيث يفرض العامة والجهلاء آراءهم على العلماء وحكماء القوم وأهل الرأي والمشورة، وتكون الغلبة للصوت الأعلى والأكثر حدة.
الخلاصة أن العالم والمصلح والمجدد والمثقف يجب عليه أن يتعالى على أسوار “الآن” و”هنا” وأن يستمد معايير الحق من معينها ولو كان قبل خمسة عشر قرنا في الزمان، وأن يتطلع بحكمته خارج بقعة المكان لكل ما هو خير وأفضل.