في عام 2005 صدر في ألمانيا كتاب بعنوان “السجل الأسود للنفط”، وتم ترجمته إلى العربية في عام 2007م. وهو يحكي - كما يظهر من عنوانه - الوجه الآخر لتاريخ النفط الذي يصفه بأنه تاريخ من الجشع والحرب والسلطة والمال.
هل يمكن للإنسان أن يكون عبدا للنفط؟ والجواب نعم ولم لا! بل إن الإنسان كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يكون عبدا لما هو دون النفط.
ورد في صحيح البخاري رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض” وفي رواية “تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش”
(تعس) أي سقط وهلك. وأطلق عليه (عبد) لأنه لشدة طالبه وحرصه على جمعه وكنزه صار بمثابة العبد له، ولكنها عبودية اختيارية غمس فيها نفسه بنفسه.
هناك فرق بين مالك الدينار، وبين عبد الدينار، لأن ملك المال والمتاع ليس مذموما لذاته، إنما المذموم هو التكالب على الجمع والسعي للاستزادة منه بهوس، حتى بات الدينار بالنسبة للغني والدرهم بالنسبة للفقير هو معيار الرضى والسخط، فإن أعطي رضي، وإن منع سخط، علما أن طلبه للعطاء قد يتجاوز كل حد، حتى أنه كما ورد في حديث آخر، لو سيّل لابن آدم واديان من مال لتمنى إليه ثالثا”.
وكذلك الأمر في من يعشق اللباس حتى يصبح عبدا للقطيفة والخميصة والثوب والبشت، وكذلك من يدمن على الأكل حتى يصبح عبدا للخبيصة.
فإذا كان ثمة من عَبَّدَ نفسه للدينار والدرهم، فهناك أشخاص ودول وأمم عبّدت نفسها للنفط، حتى صارت سياستها وحربها وسلمها وعلاقتها تبعا لذلك النفط ورهنا به.
يقول مؤلفا الكتاب إن الولايات المتحدة تحولت من إحدى أهم الدول المصدرة للنفط، إلى أن صارت تعتمد على الاستيراد منذ زمن طويل، ويذكران أن استهلاك الأميركيين فاق غيرهم، حيث يستهلك الفرد الأميركي حوالي 11 لترا يوميا، في حين أنه في كل من ألمانيا والنمسا وسويسرا 5 لترات يوميا.
ويرى المؤلفان أن العلاقات الدولية والصراعات الأممية يحسب الجميع فيها حساب النفط وتعتمد قراراتهم على قضايا النفط والاحتياطات والنفوذ في المناطق التي يوجد بها.
يحرق العالم يوميا حوالي ثمانين مليون برميل من النفط، وسوف ترتفع إلى 107 ملايين برميل يوميا في عام 2020م، وهو يعادل مليارات البراميل في السنة.
بسبب النفط وبعض الأسباب الأخرى، فإن دول الخليج كانت وستظل من أهم المناطق التي تسعى الدول الكبيرة للمحافظة على نفوذها عليها وذلك لما فيها من احتياطيات نفطية ضخمة.
ما يهمنا في هذا الشأن هو أن الدول الكبيرة المستوردة قد أصبحت تعبد النفط، كما أن الدول الصغيرة والمصدرة صارت تعبده أيضا لما يوفره لها من موارد هائلة توفر لها أو لبعض أفرادها الرفاه.
وطال الزمان أو قصر فإن الاحتياطيات ستنفد، وربما وقبل ذلك يتمكن العلماء من إيجاد مصادر بديلة للطاقة، وحينها ستتغير أمور كثيرة، وستنقلب معادلات عدة.
لهذا يتساءل الكثيرون عن “ماذا تفعل دول الخليج العربي بأموال الطفرة النفطية؟” و”أين تذهب الاستثمارات الخليجية؟” و”ماذا فعلت وتفعل دول الخليج بثروة النفط؟”.
هل قامت دول الخليج بتوزيع الموارد النفطية بشكل عادل؟ هل استخدمتها في إيجاد بدائل اقتصادية تخفف من اعتمادها على النفط؟ هل تحصل الشعوب الخليجية فضلا عن غيرها على حقها وحق أجيالها القادمة من هذه الموارد؟.