العدد 1838
السبت 26 أكتوبر 2013
آفة السكوت إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
السبت 26 أكتوبر 2013

يتحدث الناس  - بما في ذلك بعض العلماء - عن آفات اللسان فيذكرون كثيرا من أمراضه كالكفر والشرك والنفاق والغيبة والنميمة والكذب والبهتان ونحو ذلك.
وقلّ من يتنبه أو يذكر آفة أخرى من آفات اللسان ألا وهي آفة السكوت، وهو ما تطرّق إليه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه العظيم الداء والدواء فقال: «في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يتخلص من الأخرى: آلة الكلام، وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها».
الآفة بالمناسبة كما يقول الرازي في مختار الصحاح هي العاهة، وأصلها (أوف). ويقول والفيروز آبادي في القاموس المحيط، الآفة العاهة، أو عَرَضٌ مفسدٌ لما أصابه.
وعلى هذا يكون اللسان المصاب بآفة السكوت عن الحق مصابا بآفة، ومصابا بعاهة، وهو لسانٌ فاسد، ويكون السكوت عن الحق من حصائد الألسن.
وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله: «الساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله، مُراءٍ مداهن إذا لم يخف على نفسه، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله. وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين».
هذه الآفة أعني آفة السكوت عن الحق؛ ابتلي بها كثيرون، من علماء دين، وخطباء، وسياسيين وإعلاميين، وعامة، فتراهم وإن تكلموا في الخير، أو أطلقوا ألسنتهم في النافع من الكلام مثل قراءة القرآن وتدريس العلم، وذكر الله تعالى والحديث عن المشاريع النافعة والأخبار المفيدة؛ إلا أنهم واقعون في الآفة الثانية وهي عدم الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، وقول كلمة الحق حتى أصبح قائل الحق في أغلب الأحيان منبوذا متهما بالعجلة والاندفاع.
وهؤلاء لا يقلون إثما ومعصية عن المطبلين المنافقين الذين يمدحون تزلفا وتملقا من لا يستحق المدح، ويشيدون بمن هو عارٌ على الإشادة. وهؤلاء على رأي ابن القيم ليسوا من أهل الحق في هذا الجانب.
يقول ابن القيم رحمه الله: «وأهل الوسط – وهم أهل الصراط المستقيم – كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلا أن تضره في آخرته».
ولعل المتأمل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول فيه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً، أو ليصمت» (رواه البخاري ومسلم).
في هذا الحديث يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين بقول الحق، ويقدمه على الصمت إذا توفرت دواعيه، وإلا فالأصل هو قول الخير، ولا شك أن قول الحق هو من الخير، بل هو من أعظم الخير بعد ذكر الله تعالى.
ويذكر ابن أبي الدنيا في كتابه «الصمت» عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «اللسان قوام البدن، فإذا استقام اللسان، استقامت الجوارح، وإذا اضطرب اللسان، لم تقم له الجوارح».
وفي ضوء كلام ابن القيم السابق فإن كلام الإمام عن استقامة اللسان؛ ينبغي أن يفهم بالبعد عن الآفتين الكلام بالباطل والسكوت عن الحق، فلا يمكن للساكت عن الحق أن يقال إن لسانه مستقيم!.
فاستقامة اللسان تكون في الأمرين، الإمساك عن الباطل، وقول الحق، فعن أبي تميم الداري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (أخرجه مسلم).
ليس هذا فحسب بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عاهد بعض الصحابة على النصح لكل مسلم وعلى أن يقولوا الحق لا تأخذهم في الله لومة لائم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية