يزخر تراثنا العربي بأقوال جميلة مثل “الاعتراف بالحق فضيلة”، ومع ذلك قلما نجد من يتملك شجاعة الاعتراف بالحق أو بالمشكلة فضلا عن الاعتراف بالذنب أو التقصير، لذا علينا أن ننقب عن الاعتراف تنقيبا في ثنايا الكلام.
الاعتراف هو أهم ما ورد في رد وزارة الإسكان على مقالي المعنون “مواطنة تستلم بيت إسكان فتبكي” وقد نشر الرد في عدد الأمس من جريدة “البلاد”، واعترفت الوزارة بكل ما نسبناه إليها تقريبا، ولأهمية موضوع الإسكان فإني سأخصص له عدة مقالات، وسأذكر فقرات من الرد ثم أعقّب عليها.
يقول الرد: “أولت وزارة الإسكان المشروع الإسكاني بمجمع 207 في وسط محافظة المحرق أهمية كبيرة منذ الشروع في إعداد المخططات الخاصة به، فقد كان تخطيط المشروع في الأساس قائماً على أساس بناء عمارات سكنية، وهو الخيار الذي كان قائماً بناءً على معيار الكثافة السكانية للموقع المخصص للمشروع الإسكاني، قبل أن يتم تغيير مخطط المشروع إلى وحدات سكنية استجابة من الوزارة لرغبة أهالي المنطقة على الرغم من ارتفاع الكثافة السكانية بها”.
نعم كان المخطط الأصلي هو إنشاء شقق تمليك، وهو ما رفضه السواد الأعظم من المواطنين، ولا ننكر أن شرارة الرفض بدأت من مجمع 207 ثم انطلقت في عدة مناطق من البحرين.
لقد أوضحنا في مقالات كثيرة وفي مداخلات برلمانية وفي ندوات وفي مسيرات واعتصامات أن المواطن البحريني يشعر بالغبن حين يرى الدولة (الإسكان) تجبره على السكن في شقق بحجة شحّ الأراضي، بينما الأراضي الشاسعة والمترامية الأطراف يُستولى عليها من قبل المتنفذين ويتم توزيعها (ناس بالهيل وناس بالجيل)!.
نعم، ربما يضطر المواطن البحريني بعد مئة سنة أو سبعين مثلا الى السكن في الشقق، والتوسع بشكل عمودي، حينها قد يقبل المواطن حين يرى هذا التوجه ينطبق على الجميع.
أما اليوم فلا وألف لا، لأن المواطن الذي يتغنى به المسؤولون ليس هو المعني بدفع ثمن الفساد والاستيلاء على الأراضي وتوزيعها بشكل ظالم وغير عادل، ولا يجوز أن تبنى على مرمى حجر من قريته المشاريع الاستثمارية الضخمة والفاخرة، ثم يكون هو “الطوفة الهبيطة” فيجبر على السكن بشقق التمليك أو بالبيوت الخشبية أو غيرها من الترقيعات.
هنا قد يدعي مدعٍ أن هذا الوضع وإن كان حقا يجب الاعتراف به؛ إلا أنه ليس عمل الإسكان، ولا يمكن مساءلة الإسكان عنه أو تحميل الوزير الحالي تبعاته!.
وهذا صحيح، طبعا مع التفريق بين الوزارة ووزراء الإسكان قبل المشروع الإصلاحي، ووزراء الإسكان بعد المشروع، لكننا دائما نقول إن مشكلة الإسكان متراكمة ومتشعبة، والمسؤول فيها الدولة ككل، وليس وزارة الإسكان فقط، ولهذا على الوزارة ألّا تحاول حل المشكلة لوحدها.
أما بخصوص حجة الكثافة السكانية، فهي حجة باهتة، ولازما أن الوزارة ستقوم بتصغير أو تكبير المشروع بحسب كثافة السكَان؟ فهل الوزارة ملزمة باستيعاب جميع أصحاب الطلبات في المنطقة في هذا المشروع؟
ثم هل فكرّت الوزارة السابقة والحالية في تبعات حشر آلاف الناس في مجمع محدود المساحة! ألا يحتاج هؤلاء لخدمات ماء وصرف ومواقف سيارات لهم وزوارهم، ومسارات للخروج والدخول للمنطقة، خصوصا أن بالمنطقة مدارس وأسواقا ومطاعم، أم أن الوزارة ستخرج الناس من زحمة الدواعيس القديمة، إلى زحمة الدواعيس الإسكانية الجديدة!.
ختاما إن مشروع الشقق كان في عهد الوزير فهمي الجودر في عام 2003 أو ربما 2004م، وقد تم إلغاؤه بناء على الاحتجاجات الشعبية، وتم الاتفاق على الوحدات السكنية (البيوت) بين الناس والوزير والنائب بموافقة سمو رئيس الوزراء، ثم حاول الوزير السابق تغيير المشروع، ثم جاء الوزير الحالي أيضا بمحاولة لتغيير المشروع، فنحن نتحدث عن مشروع تعاقب عليه أربعة وزراء وثلاثة نواب وثلاثة أعضاء بلديين، واستغرق تنفيذه أكثر من عشر سنوات. للحديث بقية.