العدد 1830
الجمعة 18 أكتوبر 2013
بين “جوليان باجيني” وبين “البلاليط” إبراهيم بوصندل
إبراهيم بوصندل
لمن كان له قلب
الجمعة 18 أكتوبر 2013

بينما أنا أتفقد الكتب القليلة (نسبيا) التي اشتريتها من مهرجان الأيام الثقافي (معرض الكتاب)؛ وقد كانت قليلة بسبب شح الميزانية وربما مبالغة بعض المكاتب ودور النشر في الأسعار، عموما.. رحت أتصفح كتابا بعنوان “حجج فاسدة” للفيلسوف “جوليان باجيني” وهو كتاب يبدو ممتعا رغم عدم سلاسة الترجمة.
في هذه الأثناء فاحت في البيت رائحة زكية وشهية جدا إلى درجة أنني تركت الكتاب والكمبيوتر وتوجهت إلى المطبخ لأكتشف أن أم العيال “تطبخ بلاليط للريوق”، فقلت لها: “في هذه اللحظة تحديدا تفوقت رائحة “البلاليط” على منطق وفلسفة “باجيني”!.
كتاب “جوليان باجيني” بالمناسبة هو محاولة فلسفية منطقية لإسقاط ورفض مئة نوع من أنواع الحجج الفاسدة التي يستخدمها البعض لمحاولة التأثير علينا، ويناقشها بشيء من التحليل، وهو بالجملة كتاب يدعو إلى التفكير ثم التفكير في كل شيء بما في ذلك بعض الأمور التي تبدو للوهلة الأولى في أشد الوضوح. ولسنا حاليا في مقام مناقشة حجج “باجيني” أو تقييم تحليله لها.
أما موضوع “البلاليط” فهو ما يمكن مناقشته ضمن مجال انقراض عاداتنا وتبدّل هوية المجتمع البحريني، فإن الأجيال الحالية لا تقدّر لا “البلاليط” ولا “الباجة” ولا حتى “العصيدة” فضلا عن “الخبيصة”.
نعم لم تعد الأجيال الحالية أو التركيبة السكانية تفهم هذه العادات أو تهتم لها، حالها حال الكثير من العادات البحرينية الأصيلة في التعامل والتي اندثرت من مجتمعاتنا.
في المدن الإسكانية الاستثمارية غابت أغلب الصور البحرينية من عادات أو لباس أو تعامل، وفي المناطق الراقية أو الجديدة يصعب كذلك أن تجدها، ولكوني لا أزال أسكن في “الفريج القديم” وهنا طامة من نوع آخر.
يكفي أن تقف لمدة ساعة أو نصف ساعة في الفريج حيث العمالة الوافدة وغير البحرينية، لتشهد كيف تبدلت عادات العيد وكيف اختلطت اللهجات، وتنافرت الأزياء، حتى بات من الصعوبة أن تفهم كلمات بسيطة “مثل عيدكم مبارك، وعساكم من عوّاده” التي لا يحسنون نطقها، مع تقدير محاولتهم للاختلاط بالمجتمع البحريني وتعلم لهجته.
لا نقلل من شأن أية جنسية أو لهجة أو جيل، ولكن لكل شعب موروثات، ولكل بلد عادات وهوية، وكم يحز في النفس أن نرى تلكم العادات مغيبة عن الأجيال القادمة، أو طبعا الجيران الجدد.
في الماضي كانت وجبة الريوق “الفطور” معظمة عندنا، وكانت الأمهات والجدات رحمهن الله وبارك في الأحياء منهن، يتفنّن في إعداد وجبات الريوق، وكان من النادر أن يخرج الأولاد أو بقية أفراد الأسرة من البيت بلا فطور.
وكم كنّا نفرح حين تأتي الأخوات ليقضين فترة النفاس بعد الولادة عندنا في البيت، حيث تطبخ لهن الوجبات الخاصة كالعصيدة وغيرها، وكان لنا بالطبع نصيب منها.
أما اليوم فأنا أحمل في سيارتي كل يوم بعض زجاجات ماء الصحة المبردة، ودلة شاي الحليب، وبعض السندويتشات، وأحاول باللتي واللتيا أن أقنع الأبناء بشرب كوب من الشاي وسأكون محظوظا لو أكل بعضهم قطعة ساندويتش.
نعود إلى كتاب جولياتي ورغم اني لم أقرأه كله بعد؛ لكن ومن المواضيع القليلة التي مررت عليها حتى الآن يبدو أن الرجل واقعي إلى حد ما، ولو أن هذه الحادثة، أعني انتصار رائحة البلاليط على كتابه وصلت لسمعه، فأنا متأكد أنه سيتمكن من فلسفة الأمر بطريقة منطقية مقبولة، فربما يعتمد على هرم ماسلو لترتيب احتياجات النفس البشرية، أو ربما اعتمد على تصارع الحاجات أو غيرها، المهم أنه يغلب على ظني أن “باجيني” سيعذرني وسيقدر موقفي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية