ذهبت للحج أوّل مرة قبل حوالي 23 عاما، وحينها تلقيت من صاحب الحملة وكان الشيخ عادل حسن الحمد “أبوحذيفة” نصيحة لا تزال كأنها تقرع سمعي، بل لا أبالغ إن قلت إنها غيرت مفهومي لمناسك الحج والعمرة وللعبادة عموما.
قال لي أبوحذيفة أثابه الله تعالى ما معناه: “إن أكثر الناس يتطلعون إلى إنهاء المناسك والفراغ منها بأسرع وقت، ولكن القليل من الحجاج من يتطلع إلى الاستمتاع بها”.
وقال: “إن للعبادة وللحج خصوصا إذا ما توفر شرطا الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله؛ لذة في النفس وحلاوة في القلب، ولذلك أنصحك بالتأني في المناسك، وإذا لم تجد تلك الحلاوة وأنت تؤديها فراجع نفسك”.
هذه الكلمات كان لها وقع السحر في نفسي، وإن كنت بعد ذلك قد سمعت وقرأت كلاما كثيرا للعلماء بمعناها، ولكن يبقى أن للشيخ عادل فضل إيصالها لي أولا.
وفقني الله تعالى بعدها للحج عدة مرات، بل كان أصحاب الحملات يحسنون بي الظن، ويطلبون مني المساهمة في توجيه وإرشاد الحجاج وإن كنت لست من أهل التخصص الشرعي.
حينها كنت أبذل قصارى جهدي في توجيه حجاج الحملة إلى استحضار الخلفيات التاريخية لهذه المناسك وربطها بأفعال الأنبياء عليهم السلام.
وكنت أحرص على أن يشعر الحاج بروحانية المكان والمنسك، ونعمة الله تعالى عليه أن وفقه لأكثر بقاع الأرض قدسية، وفي أفضل أوقات السنة، وذلك قبل أن نبدأ في مدارسة ومناقشة أحكام المناسك الفقهية.
نصيحة أخرى غالية أثّرت كثيرا في نظرتي لمناسك الحج ومقاصده؛ كانت من الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق أثابه الله، وذلك حين ربط جميع المناسك بالابتلاء والامتحان والاختبار.
وكان قد بدأ في كلمته الحديث بإسهاب عن النبي إبراهيم عليه السلام، وكيف كان ابتلاء الله له بدءا من رميه في النار، مرورا بأمره بترك زوجه وولده بواد غير ذي زرع، وانتهاءً بأمره بذبح ابنه الذي بلغ معه السعي.
إن الله تعالى يعلم أنه سيكون في الحج تزاحم وتدافع وأن بعض مناطق النسك مثل (منى) هي منطقة صغيرة تحيط بها الجبال، وجرى في علم الله تعالى أنه ستكون حوادث وضحايا ووفيات، ولكن ذلك كله يأتي في مقام الامتحان والاختبار والابتلاء للأمة وكيف ستقوم بتدبير مناسك الحج في أحسن صورة، سواء ممن عهد الله إليهم الإشراف على الحج، أو من الحجاج بعضهم البعض.
عموما حتى نعود لموضوعنا نقول كما قال العلماء: كم على الأراضي المقدسة من أعداد غفيرة، إنما كم منهم يوفقه الله للشعور بلذة العبادة، وحلاوة النسك، والاعتبار من كل شيء بما في ذلك الزحام والتدافع!.
في هذه المعاني السابقة يمكننا أن نفهم معنى قول بعض السلف: “الركبُ كثير والحج قليل، فما عسانا أن نقول؟ نسأل الله ألا يمقتنا”.
وقال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: ما أكثر الحاج! قال: ما أقلهم! وقال شريح القاضي: “الحاج قليل والركبان كثير، ما أكثر من يعمل الخير، ولكن ما أقل الذين يريدون وجهه”.
العبادات كلها هي من ذكر الله عز وجل، وقد قال الله تعالى إن ذكر الله تعالى تطمئن به القلوب، وفي الحج تتجلى معاني العبودية ومناسك التزكية، ولابد لهذه المناسك من ثمرة يجد الحاج أثرها على نفسه وبدنه ولسانه، وحلاوة يتذوقها في قلبه، فإن لم يشعر بشيء من ذلك فليراجع نفسه.