كان يقول دائما... أحاول إنقاذ المسرح من الموت باعتباره أداة كبرى لنشر الثقافة.. كان يرفض اختيار المسرحية التي تعجب الجمهور العادي، وتكون بمثابة تسلية وترفيه دون النظر إلى قيمة ثقافية أو فكرية ما... وكان يحاول منع الفن الدرامي من الانزلاق إلى الهاوية.
نعم.. كانت حياته غريبة مليئة بالثقافة والعزلة واتسمت بالانهماك والإحباط في آن واحد... ولكنها كانت حياة بعيدة المدى بقدر ما هي بعيدة التأثير.
كان كمن ينظر من النافذة فيرى حقولا شاسعة خضراء يانعة.. فأحلامه كانت كثيرة، وحلمه الأكبر هو تغيير وجه الفن المسرحي وخلقه خلقا جديدا.
ولكن شيئا من هذا لم يحدث وهذا ما جعله يبتعد عن الحياة، تاركا الفن لغيره من الفنانين. خرج بعض القوم وقالوا ان هذا الفارس يريد بأفكاره تحطيم الممثل والتقليل من أهمية دوره على الخشبة وما يؤخذ عليه هو إعلاؤه من شأن المخرج بدرجة قللت من شأن الممثل... فلقد خلع هذا الفارس الوحيد عن المخرج أهمية كبيرة باعتقاده ان وظيفته هي تفسير عمل المؤلف من وجهة نظره الخاصة حتى لو جاء الإخراج شيئا أقرب إلى الخلق الجديد للعمل الفني.
كان يردد دائما ان الخيال يخلق الواقع، والحلم هو الحياة، ولذلك غلب على إنتاجه طابع الغموض وشابه شيء من الخرافة والأساطير، ولو ترك الأمر له كما يقال لملأ المسرح بالمناظر الغريبة التي لم نعتد على ظهورها مثل الصخور الهائلة والسحب المنخفضة.
ان كل إنسان في الحياة غاضب بطريقة ما وعلى شيء ما وهذا الفارس الوحيد كان غاضبا على المجتمع الذي يحتقر الفنان ويمجد المادة... وكان يشكو من تردي الأخلاق والانحدار بالفن إلى مستوى التجارة.
ان هذا الفارس الوحيد لعله واحد منكم أيها الفنانون... شخصية عابثة، ولكننا لا نملك إلا ان نتعاطف معها بل ونحترمها.
نظرة الناس إلى المثقفين
إن نظرة الناس لأصناف المثقفين المتنوعة المتدرجة تختلف من بلد إلى آخر، وتعتمد على التقاليد والحاجات الثقافية في المجتمعات المختلفة. ففي ألمانيا مثلا تقدم أكاليل الشهرة في المركز والامتيازات إلى الأستاذ الجامعي، وتقدم في أميركا “كما رأيت بعيني” للاختصاصي، وفي فرنسا للأديب والكاتب، وفي أفريقيا للعقائدي السياسي. أما في عالمنا العربي، فبسبب المشاكل السياسية والاقتصادية، فالوضع يختلف كثيرا ولا داعي للشرح.
يمكننا القول إن المثقف في الغرب يستعيض عما ينقصه من طمأنينة ومركز وقوة بحرية البحث والتفكير، أما المثقف في مجتمعنا العربي الكبير فيبدو انه يفتقد كل هذه الأمور معا. فإن ما فقده في المركز، إذا ما قارناه مع ما كان يتمتع به العلماء في أوائل عصور الإسلام، لم يستعض عنه بشيء من الحرية.