لقد زرت عمتي “أم طلال” أطال الله في عمرها في مستشفى القوات المسلحة بالظهران، وهي طريحة الفراش الأبيض وتعاني من أمراض الشيخوخة.. واكتشفت ورغم مرضها أنها لا تزال قوية في الرأي وعتيدة كما عهدناها دائما.. وقد سمعت قصصا كثيرة من بعض الأصدقاء يتحدثون عن عناد أجدادهم حتى لو كانوا يعلمون أنهم على خطأ.
بشكل عام، يتعذر علينا إرضاء المتقدمين في السن، برغم ما يبذل في هذا السبيل من جهود. وسبب ذلك أن تقدم السن يجعل صاحبه يشعر أنه صار غير مرغوب فيه، ولاسيما في هذا الزمن الذي يجعل الأولوية للشبان. فهم الذين يسيطرون على المجتمعات وأهميتهم تبرز في جميع المجالات. ومما يزيد في تعقيد مشكلة المتقدمين في السن، أن عددهم يزداد بسرعة، وفي الوقت ذاته يزيد عدد السنوات التي يعيشها كل واحد منهم يخالجه الشعور بفقد الأولوية والأهمية، مما يجعلها سنوات بؤس وشقاء، ما لم يبادر المحيطون بهم من الأقارب والأصدقاء إلى علاج هذا الأمر، ومعاونتهم على التغلب على ذلك الشعور.
والطريق إلى هذا العلاج سهل ولكن المضي فيه حتى غايته يحتاج إلى جهد وصبر. فعندما تتعارض رغبات المتقدم في السن أو تصرفاته مع رغباتك واتجاهاتك، ينبغي أن تضع نفسك في موضعه لكي تقف على حقيقة شعوره وتفكيره. إنه يريد أن يجد شيئا يفعله، وشخصا يرعاه، وليس صحيحا كما تقول الكتب ان انتقال المرء إلى مرحلة الشيخوخة يغير طباعه واتجاهاته بين عشية وضحاها، أو يكسبه بدلا من صورته الأولى التي تتسم بالمرح والنشاط صورة أخرى تتسم بالوقار، أو بالتفاهم وضيق الفكر أحيانا.
إن المرء يقضي وقتا طويلا حتى يكسب العادات والخصائص التي تميزه، ومهما تقدم به السن فسوف يظل على ما كان عليه، فالوالد الذي تعود أن يكون صاحب الكلمة العليا في البيت، يظل كذلك في دخيلة نفسه حينما يصير جدا، والأم التي كانت في شبابها سريعة الغضب شديدة الزهو بنفسها “كعمتي أم طلال” شفاها الله لن تتحول تلقائيا إلى جدة وديعة متواضعة. والرجل الذي تعود أن يتولى بنفسه كل أعماله، لن يقلع عن ذلك في شيخوخته، بل يبقى كذلك إلى النهاية، ويضيق أشد الضيق إذا تدخلنا في شؤونه.
وليس ثمة أشد إيلاما للمتقدم في السن من الإسراف في العطف عليه أو الرثاء لضعفه وعجزه، أو حمله على اتباع خطة معينة لم يتعودها من قبل، كذلك لا يسهل على من تعود أن يوجه وينصح، أن يتلقى التوجيه ممن كان يوجههم وينصحهم. ولنتذكر دائما أن أجدادنا لا يستطيعون أن يغيروا عاداتهم التي اكتسبوها على مر السنين، لأنها عادات قديمة مستأصلة فيهم، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتهم. فعمتي “أم طلال” أطال الله في عمرها لا تزال تصرخ في وجوهنا وتهددنا ولكن بصوت ضعيف جدا بحكم المرض، والأجمل هو أنها لا تزال مصرة على إيقاد شموع العمر رغم انتهائه.